الأربعاء، 17 يوليو 2013

جدلية العقل والنقل في الفكر الإسلامي

يَجْدُرُ بِى أن أذكر - بشىء من الإيجاز - مشكلة تعارض العقل والنقل – لارتباطها الوثيق بالتكوين الفكرى والثقافى لعلماء المسلمين – وهى ظهرت بشكل جادّ فى الفكر الإسلامى عند ترجمة الفلسفة اليونانيّة [ ترجمت كتب اليونان فى عهد الخليفة العباسى المأمون عندما بنى لها دار الحكمة فى بغداد، وكان لها الأثر الكبير فى ظهور الكثير من القضايا الجدلية التى كانت الأمة منها فى عافية من قبل، ومن ثَمّ ظهرت العديد من الطوائف والفرق فى هذه الأمة، وانشغلت الأمة بالردّ على بعضها البعض، فأهدرت الطاقات، وبددت العقول؛ مما أدّى إلى تعطيل مسيرة الأمة الحضارية، واستفادتها من مُعطيات هذا الكون. ونتج عن ذلك تخلف الأمة وانحطاطها، وسَيْرها خلف الأمم، بعد أن كانت هى صاحبة القيادة والريادة ( انظر: د. أحمد جاد: دراسات فى علم الكلام. ص 144 – 146. ط 1417هـ / 1996م. دار الثقافة العربية – القاهرة. وأيضًا: سديو: تاريخ العرب العام. ص 193. ترجمة أ. عادل زعيتر. ط 1969م. مطبعة الحلبى – القاهرة ) ] التى كانت مبنية على ما يُسمّى بالمنطق الصورى الذى يُعطى التأمل العقلى المحض إمكانات أكبر بكثير مما يستحقه.

 

وقد كان اليونانيون يعتقدون أن العقل وحده مصدر المعرفة اليقينية، ولا يَرَوْن حدودًا لإمكانياته، وكان من أخطائهـم الكثيرة فى هذا المجال استخفافهـم بكل مصدر آخـر للمعرفة غير العقل حتى المصدر الحِسىّ، والتأمل فى الكون، والسّيْر فيه لجمع المعلومات والاستقراء العلمى [ وقد تحدث ابن الجوزى عن تلبيس إبليس على فرق الفلاسفة، ومَنْ تابعهم ( انظر: تلبيس إبليس. ص 39، 40. ط 1. 1421هـ/ 2001م. دار الفكر- بيروت ) ].

 

وباختلاط فلاسفة المسلمين بمناهج الفلسفة اليونانيّة حصلوا على معارف بعضها صحيح، والكثير منها زائف لا قيمة له. وعندما تُرْجِمت هذه المناهج والمعارف بَهَرَتْ كثيرًا من أبناء المسلمين الذين لم تكن لديهم الكفاية فى المعرفة بالعلم المادى ولا العلـم الشرعى. ومن هنا جاءت المشكلة: إذا تعارض العقل والنقل فأيهما نُقَدِّم؟! ويقصدون بالعقل مناهج البحث اليونانية ومجموعة المعارف الحاصلة منها.


 

هنا تفاوتت أجوبة هؤلاء الدارسين للتراث اليونـانى بين مُعْجب غاية الإعجاب بهذا التراث، ومُستخفّ غاية الاستخفاف بكل شىء يخالفه أو يختلف معه، وهؤلاء هم الفلاسفة الذين بالغوا فى الرُّكُون إلى الفلسفة اليونانية، حتى لقد جَرُؤَ بعضهم على التصريح بأن الوحى إنما هو لعامة الناس الذين تقصر مَلَكَاتهم العقليّة عن الوصول إلى المعارف اليقينية من غير طريق الوحى، أما الفلاسفـة الذين يملكون هذا الاستعداد فهم فى غنى عن هـذا الوحى [ انظر فى هذا ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عن أبى الحسن الطبرى المعروف بالكيَّا قوله: " وفى القرآن حجاج، وإن لم يكن فيه الغلبة والفَلْج، غير أن العــامى يكتفى بـــه، كقولـه تعـــالى : " أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ " ( ق: 15 ) وليس من أنكر الحشـر ينكره لأجل العِيـاء. وكذلك قولــه تعــالى: " وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ " ( النحل: 62 )، " أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى " ( النجم: 21 )، وليس هذا يدل على نفى الولد قطعًا، فمبادئ النظر كافية لهم. فإن قيل: فإذا لم يجب هذا النظر على كافة الناس، فهل يجب على الآحاد؟ قلنا: أجل يجب فى كل عصر أن يقول به آحاد الناس، وهو فرض من فروض الكفايات]، " كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُـونَ إِلَّا كَذِبًـا " ( الكهف: 5 )!

 

أما بعض المتكلمين فكان يرى أن الوحى مصدر للمعرفة، كما أن العقل مصدر للمعرفة، فإذا تعارضا فإنه يقدم العقل باعتباره أصلًا للنقل؛ لأن الإنسان آمن بعقله أولًا، ثم تابع الوحى بعد ذلك. وهؤلاء أرادوا دَفْع شبه الخصوم من اليهود والنصارى، وغيرهم بمحض الحجج العقلية، دون اعتبار لنصوص الوحى، زَعْمًا منهم أن الوحى خَالٍ من ذلك، بل منهم منِ ادَّعى أن الحِجَاج التى جاء بها الوحى ضعيفة وقاصرة، وأنها قد يعتريها النقص بخلاف الحِجَاج العقليّة، فالدليل العقلىّ قطعىٌّ، والسمعىّ ظنِّىٌّ؛ لذا عند تعارضهما يجب تقديم العقلى مُطلقًا، فردوا البدعة بالبدعة، والباطل بمثله حتى أحدثوا فى دين الله تعالى ما لم يكن أحد من خصومهم يتصور بلوغه [ أ . عثمان على حسن: منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنَّة والجماعة. جـ 1. ص 166 ]. وعلى رأس هـذه الطائفة الفخر الرازى الذى يقـول: " اعلم أنّ الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شىء، ثم وجدنا أدلة ثقيلة يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة: إمّا أن يصدق مقتضى العقل والنقل، فيلزم تصديق النقيضين وهو مُحال، وإمّا أن نبطلهما، فيلزم تكذيب النقيضين، وهو مُحال، وإمّا أن تكذب الظواهر النقلية، وتصدق الظواهر العقلية، وإمّا أن تصدق الظواهر النقليـّة وتكذب الظواهر العقلية، وذلك باطـل؛ لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية، إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية: إثبات الصانع، وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول – صلى الله عليه وسلم – وظهور المعجزات على يد محمد – صلى الله عليه وسلم – ولو صار القدح فى الدلائل العقلية، صار العقل متهمًّا، غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج عن أن يكون مقبول القول فى هذه الأصول. وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة. فثبت أن القدح فى العقل لتصحيح النقل يُفْضى إلى القدح فى العقل والنقل معًا، وأنّه باطل. ولمّا بطلت الأقسام الأربعة لم يَبْقَ إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية، إما أن يُقال: إنها غير صحيحة، أو يُقال: إنّها صحيحة، إلا أنّ المراد منها غير ظواهرها. ثم إن جوزنا التأويل اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل. وإن لم نجوز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى، فهذا هو القانون الكلى المرجوع إليه فى جميع المتشابهات، وبالله التوفيق " [ انظر: أساس التقديس. ص 220، 221. تحقيق د. أحمد حجازى السّقّا. ط 1406هـ / 1986م. مكتبة الكليات الأزهرية – القاهرة ].

 

وطائفة من الفقهاء والعلماء رَأَتْ أنّ فلسفة اليونان وكل ما صدر عنها من اعتقـاد فلسفى أو نِتَاج علمىّ إنما هو زُبالة أذهان البشر، لا يستحقّ الدرس ولا العناية، وأنّـه لا خير فيها على الإطلاق، ومن يَدْرسها أو يتعلمها فلا ثقة فى دينه، فضلًا عن أن يعارض به وحى رب العالمين سبحانه وتعالى.

وهذه الطائفة تمثل مذهب الرفض المطلق الذى يرى أن هنـاك تعارضًا بين الدين الإسلامى والفلسفة بصورة عامـة، والفلسفة اليونانية بصـورة خاصة. ومن مُمَثِّلى هذا المذهب البربهارى [ يقول البربهارى ( أبو محمد الحسن بن على بن خلف ت 329هـ) فى شرح السنة: " واعلم – رحمك الله – أنّ الدين إنما جاء من قِبَل الله تبارك وتعالى، لم يوضع على عقول الرجال وآرائهم، وعلمه عند الله ورسوله، فلا تتبع شيئًا بهواك، فتمرق من الدين؛ فتخرج من الإسلام ... " البربهارى: شرح السنة. ص 66. أ. تحقيق خالد الردادى. ط2. 1418هـ. دار السلف – الرياض ] وابن الصـلاح [ يقول ابن الصلاح ( عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى الشهرزورى ت 643هـ ) عن الفلسفة: " أسّ السفه والانحلال، ومادة الحَيْرة والضلال، ومثار الزَّيْغ والزندقة. ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المطهرة المؤيدة بالحجج الظاهرة، والبراهين الباهرة. ومن تلَبَّس بها تعليمًا وتعلُّمًا قارنه الخُذلان والحِرْمان، واستحوذ عليه الشيطان "( انظر: فتاويه. ص34. ط1. 1348 هـ . القاهرة ) ] والنووى [ يقول النووى ( أبو زكريا محيى الدين يحيى بن شرف ت 676هـ ): " ومن العلوم الخارجة عنه - أى عن العلم الشرعى - ما هو محرم أو مكروه ومباح: فالمحرم كتعلم السحر فإنّه حرام على المذهب الصحيح، وبه قطع الجمهور - وفيه خلاف نذكره فى الجنايات حيث ذكره المصنف إن شاء الله تعالى - وكالفلسفة والشعبذة والتنجيم وعلوم الطبائعبين " ( انظر: المجموع شرح المهذب للشيرازى ت 476هـ. جـ1. ص 52. د. ت. تحقيق الشيخ محمد نجيب المطيعى. مكتبة الإرشاد – جدة ) ].  

لم تكن هذه كل الآراء فى المسألة، فقد كانت هناك طائفة رابعة أبرز من مثَّلها وتكلَّم بلسانها وفصّل رأيها شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذه الطائفة تُمَثِّل المذهب النقدى، وهو مذهب قائم على أنه ليس هناك تعارض مُطْلق بين الفلسفة بصورة عامّة واليونانية بصورة خاصّة والشرع، بل هناك أوجه اتفاق وأوجه اختلاف، ففى حالة الاختلاف يكون الرفض، وفى حالة الاتفاق يكون الأخذ والقبول. أى عدم رفض كل النِّتَاج اليونانى، مع عدم التقليل - فى الوقت ذاته - من قيمة النصّ الشرعىّ.

 

وقد عَمَدَ ابن تيمية إلى مراجعة السؤال القديم من منظور جديد نفصله كما يلى: إذا تعارض النقل والعقل فهنالك عدة احتمالات: أن يكونا قطعيَّيْن، أو يكونا ظنِّيَّيْن، أو يكون أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا.

  فى الحالة الأولى: يستحيل أن يتعارض قطعىّ العقل مع قطعىّ النقل؛ لأن خالق العقل والكون هو الذى أنزل النص والوحى، قال تعالى: " أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" ( الأعراف: 54 )، وقال سبحانه: " أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" ( الملك: 14 )، يقول ابن تيمية: " فلا نسلم إمكان التعارض حينئذٍ ". وهذه كانت أبرز وأخطر إضافات ابن تيمية - رحمه الله - إلى هذه القضية الجدلية القديمة.

 أما فى الحالة الثانية: إذا تعارض القطعى مع الظنى قُدّم القطعى سواء أكان عقليًّا أو نقليًّا، يقول: " فالقطعى هو المقدم مطلقًا، وإذا قُدِّر أنّ العقلى هو القطعى كان تقديمه لكونه قطعيًّا، لا لكونه عقليًّا " [ انظر: درء تعارض العقل والنقل. جـ 1. ص 86، 87 ].

أما عن الحالة الثالثة: يبين ابن تيمية أنّ العقل والنقل إذا كانا ظنِّيين قُدِّم أكثرهما رُجْحانًا وقرائن، عقليًّا كان أو نقليًّا، فكُلّ ما ثَبَت من مسائل العقيدة فى الكتاب والسنة، يصدقها العقل الكامل الصحيح الذى يُستخدم بدقةِ وإِمعانٍ؛ لأن العقل الصريح فى دلالته على المراد، لا يمكن أن يخالف المنقول الصحيح الثابت؛ لأن العقل والنقل وسيلتان لغايةٍ واحدةٍ، هى الوصولُ إِلى الله، والوسائل التى تؤدِّى إِلى غايةٍ واحدةٍ لا يمكن لها أن تتعارض، يقول: " ... المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط. وقد تأملت ذلك فى عامّة ما تنازع الناس فيه فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شُبهات فاسدة يُعْلم بالعقل بطلانها، بل يُعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع. وهذا تأملته فى مسائل الأصول الكبار: كمسائل التوحيد والصفات، ومسائل القدر والنبوات والمعاد، وغير ذلك. ووجدت ما يُعْلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط، بل السمع الذى يقال: إنه يخالفه إما حديث موضوع، أو دلالة ضعيفة، فلا يصلح أن يكون دليلًا لو تَجَرّد عن معارضة العقل الصريح، فكيف إذا خالفه صريح المعقول؟ ونحن نعلم أن الرسل لا يخبرون بمُحَالات العقول بل بمُحَارات العقول، فلا يخبرون بما يعلم العقلُ انتفاءه، بل يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته " [انظر: درء تعارض العقل والنقل. جـ 1. ص 147. وقارن ذلك بقوله: " واعلم أنه ليس فى العقل الصريح، ولا فى شىء من النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريقة السلفية أصلًا ... " ( انظر: مجموعة الفتاوى. جـ 5. ص 21 ) ]. هكذا بِيُسر وسُهولة حَلّ ابن تيمية – رحمه الله – المُعْضِلة القديمة حلًّا يُريح القلب، ويُرْضِى العقل دون أن يقلل من هَيْبَة النّص، ولا يُنْكِرُ العقل.

 

وأنت تُلاحِظُ هذا الفَهْم بين أصحاب الحديث فهذا البخارىّ – إمام الصنعة الحديثية – يبدأ صحيحه بكتاب " بدء الوحى " وينهيه بكتاب " التوحيد ". ولا شكّ أن هذا الترتيب لم يأتِ اعْتِباطًا وخَبْط عَشْوَاء، وإنما مُراد البخارىّ أنَّ مَنْ أراد أن يموت على التوحيد الخالص الذى لم تَعْتوِرْه شوائب فعليه بالوحى.

 

أمّا بالنسبة للعقل عند الغزالى فمن الخير لمن يريد تحديد موقف هذا المفكر من إحدى المشكلات التى شغلت أهل النظر من المسلمين فى مختلف عصورهم أن يتخذ الحذر منهجًا فى استنباط رأيه فى مشكلة ما من تلك المشكلات؛ فأحيانًا تجد الغزالى مُحقِّرًا من شأن العقل، مُفضّلًا للذوق الصوفى، وأحيانًا تراه يقسو فى مهاجمته للتقليد والمقلّدين على اختلاف طوائفهم، أو يحتكم إلى العقل حتى فى شدّة حماسته لأهل التصوف، وقد تجده مُعْرِضًا عن الذوق الصوفى والعقل معًا، ليمجّد نوعًا خاصًّا من التقليد. ولا نستطيع – ابتداءً – أن نقرر وجود نوع من التفاوت فى تفكير الرجل، أو تباينًا فى مواقفه، لكن نعترف بالصعوبة البالغة فى تتبعه فى تموجات تفكيره، وفى شِعَاب نظره [ د. محمود قاسم: " العقل والتقليد فى مذهب الغزالى " بحث ألقاه سيادته فى مهرجان الغزالى بدمشق 1961م ". ص 169 ].

 

والذين ذهبوا إلى أنَّه يفضل الذوق أو المشاهدة على العقل، استندوا إلى ما ورد فى " المنقذ من الضلال " من أنّ الغزالى يميل إلى أرباب الأحوال لا إلى أصحاب الأقوال، يقول: " والقدر الذى أذكره لينتفع به أنى علمت يقينًا أنّ الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأنّ سيرتهـم أحسن السير، وطريقهـم أصوب الطرق " [ انظر: ص 106 ].

ويقول: " وبالجملـة، فمَنْ لم يُرْزق منه شيئًا بالـذوق، فليس يدرك من حقيقة النبوة إلا الاسم ..." [انظر: المنقذ من الضلال. ص 108 ]، لكن المتصفح لكتابه الاقتصاد فى الاعتقاد يجده يعتبر المُعْرض عن العقل اكتفاءً بنور القرآن، كالمتعرِّض لنور الشمس مُغْمِضًا أجفانه، لا فرق بينه وبين العميان [ انظر: ص 2 ].

 

ومن المؤكد أنّ الغزالى ظلّ يعرف للعقل قيمته دائمًا، رغم ما وجهه إليه من نقد فى كثير من كتبه. فالعقل يفضل الحسّ ما فى ذلك رَيْب؛ لأنّه أفسح منه مجالًا وأوسع موضوعًا؛ فهو يدرك غيره، ويدرك نفسه، والمعقولات التى يدركها لا حصر لها؛ لذا فالعقل " أولى بأنْ يُسَمّى نورًا من العين الظاهرة لرِفْعة قدره عن النقائص ... وهو أن العين لا تُبْصر نفسها، والعقل يُدْرك غيره ويُدْرك صفات نفسه ... العين لا تبصر ما بَعُدَ منها، ولا ما قَرُبَ منها قُرْبًا مُفْرطًا. والعقل يستوى عنده القريب والبعيد ... العين تدرك من الأشياء ظاهرها وسطحها الأعلى دون باطنها ... والعقل يتغلغل إلى بواطن الأشياء وأسرارها " [انظر: مشكاة الأنوار. ص 44، 45. تحقيق د. أبى العلا عفيفى. ط 1383هـ / 1964م. الدار القومية للطباعة والنشر – القاهرة ].

 

وهكذا يتبين لنا أنّه يرى العقل مِيزانًا للحقّ فى كلّ حال، ويُقَرِّر أنّ العقل إذا أخطأ فى أحكامه، فليس ذلك راجعًا إلى طبيعته، بل إلى بعض العوامل الخارجية التى تَحْجُبُ عنه نور الحقّ [ نفس المصدر السابق. ص47 ]. ولهذا الإدراك العقلى مراتبه، فهناك حقائق ضرورية تفرض نفسها عليه فرضًا، كعلمنا بأن الشىء الواحد لا يكون قديمًا وحديثًا، ولا يكون موجودًا ومعدومًا فى آنٍ واحدٍ، وتلك الحقائق الضرورية هى البَدَاهَات المنطقية. وهناك حقائق لا يمكن الوصول إليها إلا إذا أعمل الإنسان عقله، وقَدَحَ زِنَاد فكره، وإلا إذا نُبِّه عليها " وإنما ينبهه كلام الحكماء، فعند إشراق نور الحكمة يصير العقل مُبْصرًا بالفعل. وأعظم الحكمة كلام الله تعالى.... فمثال القرآن نور الشمس، ومثال العقل نور العين " [ نفس المصدر السابق. ص 48، 49 ].

 

ومِمَّا يدلُّ على أن تمجيد العقل إحدى الأفكار الراسخة فى مذهبه أَنّه يُحدّد لنا مراتب التصديق الجازم، ويجعل التصديق عن طريق البراهين المنطقية فى قِمّة هذه المراتب، فالصدارة للتصديق الذى ينتهى إليه المرء عن طريق " البرهان المستقصى المستوفى شروطه، والمحرر أصوله ومقدماته درجة درجة وكلمة كلمة، حتى لا يبقى مجال احتمال ... وذلك هو الغاية القُصْوَى، وربما يتفق ذلك فى كلّ عصر لواحد أو اثنين ... وقد يخلو العصر عنه "، وبعد تلك المرتبة، تتدرج المراتب الأخرى من أدلة وهمية كلامية، وأدلة خطابية، ونقل وسماع عمن يحسن الاعتقاد فيه، وسماع مع وجود قرائن توجب التصديق عند العوام، لا عند المحققين، وأدنى هذه المراتب مرتبة من يقبل القول؛ لأنه يُناسب طبعه وهواه [ انظر: مجموعة رسائل الإمام الغزالى " رسالة إلجام العوام عن علم الكلام ". ص 351، 352 ].

 

ولاحتفاء الغزالى بالعقل نجده يستخدم الأدلة العقلية لبيان اللوازم الفاسدة من كلام النصارى، يقول - فى معرض نقضه للتثليث -: " وقد سلكوا فى تأويل الأقانيم مسلكًا ألزمهم القول بوجود ثلاثة آلهة فى الذِّهن والخارج، متباينة ذواتها وحقائقها... " [ انظر: الرد الجميل. ص 187 ].

 

كما يرى أنّ العقل والشرع لا يتعارضان تعارضًا حقيقيًا من الناحية النظرية - لأن كليهما نور من عند الله، فلا ينقض أحدهما الآخر- أوالعملية، فلم يثبت أن اصطدمت حقيقة دينية بحقيقة عقلية، بل يرى أنّ أحدهما يؤيد الآخر ويصدقه[ د. يوسف القرضاوى: الإمام الغزالى بين مادحيه وناقديه. ص40. ط4. 1414هـ / 1994م. مؤسسة الرسالة – بيروت ]، يقول:" اعلم أن العقل لن يهتدى إلا بالشرع، والشرع لم يتبين إلا بالعقل، فالعقل كالأسّ، والشرع كالبناء، ولن يُغْنِى أسّ ما لم يكن بناء، ولن يثبت بناء ما لم يكن أسّ. وأيضًا فالعقل كالبصر، والشرع كالشعاع، ولن يُغنى البصر ما لم يكن شعاع ... فالشرع عقل من خارج، والعقل شرع من داخل، وهما متعاضدان بل متحدان" [ انظر: معارج القدس فى مدارج معرفة النفس. ص46. د. ت. مطبعة الاستقامة – القاهرة. (وقد جعله د. عبد الرحمن بدوى من جملة الكتب المشكوك فى صحة نسبتها للغزالى؛ ذلك أن الكلام هنـا شبيـه بكلام الغزالى لكن نفسه غيـر نفس الغزالى فى كتبه، وطريقة تقسيمه وترتيبه غير طريقة الغزالى، ولم يذكره أحد فى كتبه مِمَّنْ ترجموا له، كما لم يشر إليه فى أى كتاب من كتبه، كما هو شأنه فى كتبه الأخرى) ( انظر: مؤلفات الغزالى. رقم 76. ص 244. ط2. 1977م. وكالة المطبوعات – الكويت ) ].

 

بل تراه يعتبر العقل قاضيًا والشرع شاهدًا، يقول: " أما بعد، فقد تنـاطق قاضى العقل - وهو الحاكم الذى لا يُعزل ولا يُبدل - وشاهد الشرع - وهو الشاهد المُزكى المعدل - بأن الدنيا دار غرور، لا دار سرور ... ومحل تجارة، لا مسكن عمارة، ومَتْجَرة بضاعتها الطاعة ... والطاعة طاعتان: عمل وعلم، والعلم أنجحها وأربحها، فإنه - أيضًا- من العمل، ولكنه عمل القلب الذى هو أعزّ الأعضاء، وسَعْى العقل الذى هو أشرف الأشياء؛ لأنه مركب الديانة، وحامل الأمانة، المعروضة على الأرض والجبال والسماء فأشفقن من حملها وأَبَيْنَ أن يحملنها غاية الإباء " [ انظر: المستصفى. جـ1. ص 2، 3 ].

 

والظاهر من كلامه أنه قـد ارتضى منهجًا يجمع بين نور الشرع ونور العقل، يقول: " وتَعَثّرَ بأذيال الضلالات مَنْ لم يجمع بتأليف العقل والشرع هذا الشتات، فمثال العقل البصر السليم عن الآفات والأدواء، ومثال القرآن الشمس المنتشرة الضياء " [انظر: الاقتصاد فى الاعتقاد. ص 2 ].

 

 


0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : عرب بلوجر