الثلاثاء، 16 يوليو 2013

البيروقراطية المصرية: المحبوبة المكروهة المذمومة المرغوبة

هي جهاز الدولة المصري الذى لا يتغير مهما تغير الحاكم, هم 6.5 مليون موظف يمثلون واحدا من أكبر أجهزة الحكومات في العالم، سواء نسبة لعدد المواطنين أو رقم مجرد, هم آباء وأعمام وأخوال وأجداد كثير من شباب الطبقة الوسطى الذين تحمسوا لثورة 25 يناير وخرجوا فيها بقوة يطلبون الحرية, هي موظف الحكومة الذى يصر على تعذيبك قبل أن يقول لك ما هو المطلوب حتى تحصل على ما تريد, وهي أيضا شركة الكهرباء التي لم ينقطع عملها خلال 18 يوما من الثورة على الرغم أنه لم يكن ليحاسبهم أحد حينها.

إنها البيروقراطية المصرية التي لا يفهمها كثير من شباب الطبقة الوسطى لأنهم لا يحلمون بالعمل الحكومي، ويسخرون دوما من الروتين حين يتعاملون مع مؤسسات الحكومة، وأحيانا كثيرة يستعينون بواسطة تكفيهم ملل وإضاعة الوقت في التعامل مع البيروقراطية. ولكن ما لا يعلمه الكثيرون أن البيروقراطية المصرية قديمة قدم الدولة المصرية نفسها, وهى جزء لا يتجزأ من الثقافة المصرية التقليدية، والبيروقراطية المصرية هي عامود من عواميد الاستقرار والازدهار المصري عبر التاريخ الطويل.

البيروقراطية هي طريقة إدارة مكونة من قواعد وإجراءات, وإنها وإن كانت تتمتع بقدر عال من الرتابة والتكرار ولكنها قادرة على إدارة مشاريع ضخمة وتحت الإدارة السليمة تستطيع أن تبني نهضة مع قواعد صارمة لمنع أي فساد, لكن أيضا تذكر أن النظام السابق جعل من البيروقراطية وسيلة رشوة للمصريين حتى لا يتكلموا في السياسة، حتى وصل حكم الجهاز الحكومي المصري قريبا من 6.5 مليون موظف، وهو من أكبر الأجهزة في العالم, وقام النظام السابق ببعض التغييرات القانونية حتى يتغلب على الرقابة من البيروقراطية, فظهرت تعديلات تمس الأجهزة الرقابية وتعينات محمية من السلطة التنفيذية, الصناديق الخاصة, محاولات إفساد العدالة, السيطرة على الجهاز التشريعي والرقابي.

ولكى تتعرف على هذا المواطن المصري البيروقراطي العتيق الذى لم تمسه أيادي الإفساد, سوف تجد فيه معظم أو كل الصفات الآتية كما شاهدت، وأظن والله أعلم: هو رجل حيث البيروقراطية المصرية لا ترحب جدا بصعود السيدات للمناصب العليا، وتعتبر هذا هو الاستثناء, وهو هذا الرجل المخلص لبيته ونادرا ما تراه مطَلقا, هو عاشق للأقدمية كوسيلة للترقي ولكن لديه القدرة على مكافأة المجتهد ولكن مكافأة في حدود القواعد والقرارات الموضوعة مسبقا (صديق في بنك حكومي وجد مستثمرا خليجيا وأقنعه بشراء أرض من البنك كسب منها البنك عشرات الملايين, حصل على مكافئة ألف جنيه لأن هذا أقصى بند غير اعتيادي متاح لدرجته الوظيفية, طبعا استقال من البنك).

المواطن المصري البيروقراطي الأصيل هو رجل لا يعلم إلا علاقة توظيف واحدة، وهي العلاقة الأبدية، ودائما يتوجس خيفة من أي عقود توظيف مؤقتة سواء مستشارين أو موظفين مؤقتين, هو راجل بارع جدا في المتابعة ومهتم جدا بكتابة التقارير، بل كثير منهم ملم بشكل جيد بقواعد اللغة في كتابة التقارير, هو رجل كاره حقا للفساد ويعتبره سبة وفضيحة مدمرة للسمعة، وهو رجل مهتم جدا بالحفاظ على سمعته كشخص نظيف.

المعاش بعد التقاعد مكون مهم جدا في تفكير المواطن البيروقراطي المصري الأصيل, فمن المهم جدا تأمين الدخل بعد التقاعد, ولا ننسى أنه الرجل الذى يحلم دوما ببناء عمارة لأولاده وينظر بكثير من الشك للمجتمعات العمرانية الجديدة, ويعتبر أن كثيرا من أفكار القطاع الخاص من شراكات وتعاونات أمرا خطيرا وقد يفتح بابا للفساد, وهو مفاوض لا يبدأ التفاوض عادة إلا في وجود شهود ومع وجود قواعد عامة لهذا التفاوض حتى لا ينحرف عن الطريق.

وللبيروقراطية المصرية مدارس مزدهرة مثل القطاع العام المسؤول عن نهضة مصر الصناعية أيام الرئيس عبد الناصر, وهناك مدرسة عثمان أحمد عثمان التي تخرج منها كبار المقاولين والبنائين في العالم العربي كله، وطبعا هناك مدرسة الجيش المصري والعدل والشرطة التي يحتفظ بعضها بسجلات تعود لأكثر من 80 عاما ماضية.

البيروقراطية المصرية العريقة رفضت قطع المياه والكهرباء خلال 18 يوما الأولى للثورة، لأن قطع الخدمات غير موجود في آليات عمل أجهزة الكهرباء والمياه، ولكن الشرطة أطلقت النار لأن النظام السياسي تعمد إفساد الجهاز البيروقراطي وآليات عمله داخل الشرطة حتى يستطيع أن يسيطر عليه.

لكن السؤال كيف تتغير البيروقراطية المصرية إلى الأحسن؟ كيف تعود البيروقراطية وسيلة هامة للنهضة داخل مصر بعد الثورة؟

أولا: طريق جمال مبارك ورجاله:
يجب محاولة فهم بعض ما قام به نظام مبارك مع البيروقراطية المصرية, لا شك أن آخر 5 سنوات لحكم مبارك شهدت ازدهارا في الأرقام الرسمية للاقتصاد, هي السنوات التي يقال أن جمال مبارك كان هو المؤثر الأكبر فيها, مثلا حاليا من يشتكون أن الاحتياطي الدولاري لمصر منهار، وعجز الموازنة ضخم، والنمو ضعيف، لابد أنهم كانوا سعداء وقت وجود جمال مبارك، حيث وقتها كان الاحتياطي 36 مليار دولار، والنمو يفوق الـ4% وعجز الموازنة يقل, لكن هل تحققت هذه الأرقام بالتعاون مع البيروقراطية المصرية؟ أنا ممن يظنون أن أحد أسباب اكتساب الثورة لزخمها هو غضب البيروقراطية المصرية من جمال مبارك ورجاله، وشعورها بتهديد شديد منهم، وليس فقط العامل الاقتصادي البحت.

جمال مبارك ورجاله قرروا أن البيروقراطية ستعوقهم ولهذا يجب تخطيها, فظهرت ظاهرة مستشاري الوزير الذين يفوضهم الوزير في كل الصلاحيات متخطيا وكيل الوزارة, ظهر الوزراء رجال الأعمال الذين يأتون برجالهم أهل الثقات من شركاتهم ويضعونهم على رأس قدامى موظفي الوزارة "تقليد مستفز جدا للبيروقراطية المصرية", ظهرت الصناديق الخاصة التي يدفع منها مرتبات تنافس القطاع الخاص حتى تجتذب الوزارة موظفين أكفاء من القطاع الخاص.

باختصار قرر جمال ورفاقه خلق طبقة من موظفي القطاع الخاص، وفرضها على قمة الهرم البيروقراطي لقيادة هذا الهرم, موظفين غير ملتزمين بالقواعد وهدفهم الإنجاز السريع الناجح بغض النظر عن اتباع طرق البيروقراطية, نجحت هذه التوليفة في خلق الأرقام الاقتصادية المذكورة أعلاه, لكنها أيضا سببت هياجا شديدا للبيروقراطية، وصار 6.5 مليون موظف يتكلمون عن تريليونات في الصناديق الخاصة، ومرتبات بالملايين تدفع للمستشارين، وصفقات مشبوهة, كما يقول الدكتور إبراهيم شحاتة في كتابه "وصيتي لبلادي" فإن عدم الشفافية القائم على علاقات خاصة للمحاسيب يجعل الناس تبالغ في حجم الفساد و تظن أنه أضعاف الواقع, ظني أن هذا صحيح جدا خاصة بعد ظهور الأرقام الحقيقية للصناديق الخاصة، ويبدو أنها ليست بأرقام الترليونات التي كانت تقال قبل الثورة, بل إن أحد الخبراء قال لي إن فائض أموال هذه الصناديق كان يستخدم في شراء أذون خزانة, مما يعنى أن أموال الصندوق كانت تستثمر مع الحكومة.

ثانيا: طريقة التغير من داخل البيروقراطية نفسها:
طريقة المواطن المصري البيروقراطي الأصيل، المذكور أعلاه, وهي طريق الدسائس و المؤامرات داخل المنظمة، بمديرين يختارون كلماتهم بعناية شديدة حتى لا يحاسبوا على موقف لا يريدونه، وكثير منهم أساتذة في طريقة "فرق تسد" كأحد أهم الاستراتيجيات للحصول على ما يريد داخل المؤسسة, تغيير قائم على يد رجل نادرا ما تراه يميل إلى الصدام، إلا لو طلب منة العمل خارج إطار القواعد المستقرة, بعضهم هو رجل متمرس في قواعد التغيير التدريجية المنطلقة من مبدأ الدراسة المتأنية وبالونات الاختبار ونقل الموظفين من مكان لمكان حتى يبدأ بعض التغيير والتعامل مع خطوات التغيير كأنها سر خطير يطلع عليه عدد قليل جدا من الموظفين، أو حتى لا يطلع عليها أحد سواه, هو رجل الخبرة العميقة جدا في مكان أو تخصص واحد مع كثير من الوهم أنع بارع بنفس الدرجة في المجالات الأخرى.

باختصار قد تتغير البيروقراطية باستخدام رجالها الفاهمين لطرقها والذين تربوا داخلها, لكنها طريقة طويلة، والحصول على هؤلاء الرجال وإقناعهم بخطط النهوض والتنمية أمر صعب جدا، وليس سهلا, كما يصعب إيجاد مثل هؤلاء الرجال في كل المواقع الحكومية الهامة, لا تنسى أن القانون يوفر الحماية لرجال البيروقراطية ضد الرفت (الفصل والطرد) ولا يوجد ما يسمى بالمنصب السياسي, بمعنى ليس أمام الساعي للتغيير إلا الاستعانة برجال البيروقراطية لو أراد تفادي طريقة جمال مبارك ورجاله.

ثالثا: طريق الأخونة: يقال إن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قد سيطر على البيروقراطية عن طريق العسكرة, هي طريقة وضع رجال من أبناء البيروقراطية في كل مفاصل البيروقراطية ولكنهم رجال يدينون لك ولفكرتك بالولاء. هنا قد يظهر الصراع القائم بين الإخوان والبيروقراطية.

الإخوان كتنظيم عميق, لديه رجال كثيرون تربوا في مدرسة البيروقراطية المصرية, مهندسون من عثمان أحمد عثمان, محاسبون في كل دواوين الوزارات, رجال وزارة في مختلف الهيئات, رجال أرشيف وغيرهم وغيرهم, مما يعني أن الإخوان لديهم قدرة تشبه ما لدى ناصر في وضع رجالهم في كثير من مفاصل البيروقراطية، ويكون هؤلاء الرجال من أبناء البيروقراطية, رجال لن ينظر لهم على أنهم دخلاء غرباء كرجال جمال مبارك ولكن سينظر لهم على أنهم إخوان بيروقراطيون وسيفضلون أصدقاءهم الإخوان ولن يتبعوا طرق البيروقراطية المعتادة في التفضيل خاصة الأقدمية، وهى نقطة الصراع "البيروقراطي غير الإخواني يساوره شك في البيروقراطي الإخوانى لأنه غير ملم بكل تفاصيل علاقات الإخوانى في جماعة الإخوان".

معضلة الأخونة هي أن الموظف البيروقراطي الإخواني سيتجاوز أقرانه ويحصل على منصب قيادي قبل أن تسمح له أقدميته بذلك, صراع مختلف عن نوع الصراع الذى تم مع رجال جمال مبارك ولكن لا أدري هل سيكون أكثر شراسة أم اقل؟ لكن على الأقل نستطيع أن نتنبأ أنه صراع سيتفادى أخطاء المرتبات الخاصة ويتساوى الجميع في المرتبات حسب القواعد، واتباع القواعد في المرتبات هو من الأشياء التي تجعل غضب البيروقراطية أقل.

ملحوظة جانية: في تقديري أن التيار اليساري في مصر هو الوحيد الذى يوجد لديه كوادر مدربة في معظم الهيئات الحكومية، فربما يتبعون طريقا مشابها للأخونة باستخدام رجالهم، ولكن هل سيكون رجالهم أكثر قبولا لأنهم لا ينتمون لتنظيم؟ لا أحد يعلم, لكن أيضا في تقديري أن معظم الأحزاب بخلاف اليسار لديها رجال يشبهون رجال جمال مبارك في خلفياتهم المهنية المستمدة من مدارس القطاع الخاص ولكن طبعا سيكون الوضع مختلفا.

الأكيد أن البيروقراطية المصرية في قلب معركة النهوض بمصر وتطويرها، وسوف يفضل دوما رجالها المتشابهون مع مجموع أفرادها، وتقاوم غير رجالها, المقاومة ستكون بتعطيل المبادرات باتباع طرق روتينية معقدة، أو حتى التراخي في العمل ولكن الاستقالة ستكون نادرة جدا, فلا يوجد موظف بيروقراطي يعتمد على مرتبه يستقيل مهما كان الخلاف, لكن التحدي هو إيجاد طريق لتطوير البيروقراطية المصرية وجعلها سببا لدعم نهوض مصر مع تفادي عيوب الطرق الثلاث السابقة وهو تحدٍّ عظيم.

كنت أتمنى أن أتكلم عن التناقض الكامن في قلب البيروقراطية والظاهر في الشخصية المصرية "تناقض الوظيفة وضعف مرتبها والقواعد وعدم الرغبة في المغامرة خارج الوظيفة والرغبة في تحسين مستوى المعيشة" وأيضا التأثير المتبادل بين الثقافة الريفية والبيروقراطية المصرية, لكن لعل هذا يكون محور مقال آخر إن قدر الله لنا ذلك.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : عرب بلوجر