الثلاثاء، 16 يوليو 2013

الْعُدُولُ عَنِ اللِّسَانِ الْأَوَّلِ بِدَعْوَى: لَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ

الْعُدُولُ عَنِ اللِّسَانِ الْأَوَّلِ بِدَعْوَى : «لَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ»

أَمَّا اللِّسَانُ الْأَوَّلُ : فَهُوَ مَا عَبَّرَ بِهِ اللهُ وَرَسُولُهُ عَنِ الْـمَعَانِي الدِّينِيَّةِ ..

وَأَمَّا لَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ : فَكَلَامٌ لِلنَّاسِ جَمِيعًا أَنْ يَقُولُوا بِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَأَيِّ شَيْءٍ شَرِيطَةَ أَلَّا يَقُولُوا بِهِ فِيمَا يُعْدَلُ بِهِ مِنَ الْأَلْفَاظِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ عَنْ أَلْفَاظِ اللهِ وَرَسُولِهِ ..

بَلْ مَا عَبَّرَ بِهِ اللهُ وَرَسُولُهُ عَنْ مَعَانِي الدِّينِ لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ إِلَى أَلْفَاظِ غَيْرِهِمْ تَحْتَ دَعْوَى : «لَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ» ، وَلَا يَجُوزُ نَقْلُ هَذَا اللَّفْظَ بِعَيْنِهِ إِلَى مَعْنًى غَيْرِ الَّذِي قَصَدَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ ،  فَالْأَوَّلُ مِنَ التَّلْبِيسِ ، وَالثَّانِي مِنَ التَّحْرِيفِ ..

وَلَا يَكُونُ اللَّفْظُ الْـمُحْدَثُ أَبَدًا مُطَابِقًا لِلَفْظِ اللهِ وَرَسُولِهِ ، بَلْ لَا يَكُونُ إِلَّا أَنْقَصَ ..

وَنَظِيرُ هَذَا الْبَابِ : أنْ يزعمَ الرجلُ لفظًا لـمعنًى كَانَ موجودًا زَمَنَ الْوَحْيِ ، وَلَهُ لَفْظُهُ ، ثُمَّ يجعلُ الإيمانَ بِهَذَا اللفظِ واجبًا ، والقولُ بِهِ لازمًا .. وإنَّمَا الَّذِي يلزَمُ الناسَ هُوَ الإيمانُ بالمعنَى الحقِّ ، الْـمتضمنِ للفظِ اللهِ ورسولِهِ ، فَمَنْ آمنَ بلفظِ اللهِ ورسولِهِ مِنْ غيرِ تمامِ معناهُ فليسَ مؤمنًا بلفظِ اللهِ ورسولِهِ ، وهذَا يكفِي ، فَلَا يُحتاجُ إلَى لفظٍ مُحْدَثٍ يجبُ الإيمانُ بِهِ .. إلَّا إِنِ اشْتبهتِ الْأمورُ اشتباهًا عظيمًا ، وأدَّى إلَى الفسادِ والْتباسِ الحقِّ بالباطلِ ، واحتاجَ المجتهدُ والقاضِي إلَى هَذَا  ..ويُقدَّرُ هَذَا بقدرِهِ .

وَأَصْلُ دَعْوَى : «لَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ» إنَّمَا كانتْ مِنَ المعتزلَةِ والأشاعرَةِ .. ومبتغِي الحقِّ والصدقِ لَا مناصَ لَهُ مِنْ أَنْ يرتابَ مِمَّا كانتْ هَذِهِ سبيلُهُ ..

قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْـجَصَّاصُ الْـمُعْتَزِلِيُّ فِي «أُصُولِهِ» : «فَمَعْنَى الْعَامِّ وَالْـمُجْمَلِ لَا يَخْتَلِفَانِ فِي هَذَا الْوَجْهِ ، فَجَائِزٌ أَنْ يُعَبَّرَ عَنِ الْـمُجْمَلِ بِالْعَامِّ ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو مُوسَى عِيسَى بْنُ أَبَانٍ  ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ الْعَامَّ فِي مَوَاضِعَ فَسَمَّاهُ مُجْمَلًا ، وَهَذَا كَلَامُ فِي الْعِبَارَةِ لَا يَقَعُ فِي مِثْلِهِ مُضَايَقَةٌ»ا هـ .

وَقَالَ وَهُوَ يَحْتَجُّ لِقَوْلِـهِمْ فِي الِاسْتِحْسَانِ : «وَلَيْسَتِ الْأَسْمَاءُ مَحْظُورَةً عَلَى أَحَدٍ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الْإِفْهَامِ ، بَلْ لَا يَسْتَغْنِي أَهْلُ كُلِّ عِلْمٍ وَصِنَاعَةٍ إِذَا اخْتَصُّوا بِمَعْرِفَةِ دَقِيقِ ذَلِكَ الْعِلْمِ وَلَطِيفِهِ وَغَامِضِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ ، وَأَرَادُوا الْإِبَانَةَ عَنْهَا ، وَإِفْهَامَ السَّامِعِينَ لَهَا أَنْ يَشْتَقُّوا لَهَا أَسْمَاءً ، وَيُطْلِقُوهَا عَلَيْهَا عَلَى وَجْهِ الْإِفَادَةِ وَالْإِفْهَامِ ، كَمَا وَضَعَ النَّحْوِيُّونَ أَسْمَاءً لِـمَعَانٍ عَرَفُوهَا ، وَأَرَادُوا إِفْهَامَهَا غَيْرَهُمْ ، فَقَالُوا : «الْحَالُ ، وَالظَّرْفُ ، وَالتَّمْيِيزُ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ» ، وَكَمَا قَالُوا فِي الْعَرُوضِ : «الْبَسَيطُ ، وَالْـمَدِيدُ ، وَالْكَامِلُ ، وَالْوَافِرُ» ، وَكَمَا أَطْلَقَ الْـمُتَكَلِّمُونَ: «اسْمَ الْعَرَضِ ، وَالْجَوْهَرِ» ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْـمَعَانِي الَّتِي عَرَفُوهَا ، وَأَرَادُوا الْعِبَارَةَ عَنْهَا ، فَلَمْ يَكُنْ مَحْصُورًا عَلَيْهِمْ ، إِذْ كَانَ الْغَرَضُ فِيهِ الْإِبَانَةَ وَالْإِفْهَامَ لِلْمَعْنَى بِأَقْرَبِ الْأَسْمَاءِ مُشَاكَلَةٍ ، وَأَوْضَحِهَا دَلَالَةٍ عَلَيْهِ ، ثُمَّ لَا يَخْلُو لِغَائِبِ الِاسْتِحْسَانِ مِنْ أَنْ يُنَازِعَنَا فِي اللَّفْظِ أَوْ فِي الْـمَعْنَى , فَإِذَا نَازَعَنَا فِي اللَّفْظِ ؛ فَاللَّفْظُ مُسَلَّمٌ بِهِ ، فَلْيُعَبِّرْ هُوَ بِمَا شَاءَ ، عَلَى أَنْ لَيْسَ لِلْمُنَازَعَةِ فِي اللَّفْظِ وَجْهٌ ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يُعَبِّرَ عَمَّا عَقِلَهُ مِنَ الْـمَعْنَى بِمَا شَاءَ مِنَ الْأَلْفَاظِ ، لَاسِيَّمَا بِلَفْظٍ يُطْلَقُ مَعْنَاهُ فِي الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ ، وَقَدْ يُعَبِّرُ الْإِنْسَانُ عَنِ الْـمَعْنَى بِالْعَرَبِيَّةِ تَارَةً ، وَبِالْفَارِسِيَّةِ أُخْرَى ، فَلَا نُنْكِرُهُ ، وَقَدْ يُطْلِقُ الْفُقَهَاءَ لَفْظُ الِاسْتِحْسَانِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ»ا هـ.

قُلْتُ:  والكلامُ فِي الدينِ ليسَ كالكلامِ فِي النَّحْوِ والعَرُوضِ وغيرِهَا ، فقياسُ كلامِ الفقهاءِ علَى كلامِ النَّحْوِيِّينَ والعَرُوضِيِّينَ وغيرِهِمْ قياسٌ باطلٌ ، وليسَ للفقهاءِ أنْ يُحْدِثُوا فِي الدينِ مَا لَمْ يكنْ مِنْهُ ، ولَا أَنْ يسمُّوا شيئًا غيرَ مَا سمَّاهُ اللهُ ورسولُهُ ، والنُّحَاةُ والعروضيُّونَ وغيرُهُمْ نقلُوا كثيرًا مِنْ ألفاظِ العربِ إلَى غيرِ مَا كانَتْ تَدُلُّ عليْهِ ، فاختلفتْ ألسنتُهُمْ عَنْ لِسَانِ العربِ الَّذِي نَزَلَ القرآنُ بِهِ ، وَمَا تدلُّ عليْهِ الألفاظُ فِي كتابِ اللهِ ـ تَعَالَى ـ ، وحديثُ رسولِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ هُوَ مَا كانتْ تدلُّ عليهِ بلسانِ العربِ ، وليسَ مَا صارتْ تدلُّ عليْهِ بألسنةِ النُّحَاةِ والعروضِيِّينَ وغيرِهِمْ ، ولَوْ فسرَ أحدٌ لفظًا مِنْ كتابِ اللهِ أَوْ حديثِ رسولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عندَ النحاةِ أَوْ غيرِهِمْ لَكَانَ مُخْطِئًا ، فإنَّمَا أنزلَ اللهُ كتابَهُ ، وبعثَ نبيَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بلسانِ العربِ ، وليسَ بألسنَةِ النُّحَاةِ والعروضيينَ وغيرِهِمْ .
وقولُهُ : ثُمَّ لَا يَخْلُو لِغَائِبِ الِاسْتِحْسَانِ مِنْ أَنْ يُنَازِعَنَا فِي اللَّفْظِ أَوْ فِي الْـمَعْنَى , فَإِذَا نَازَعَنَا فِي اللَّفْظِ ؛ فَاللَّفْظُ مُسَلَّمٌ بِهِ ، فَلْيُعَبِّرْ هُوَ بِمَا شَاءَ ، عَلَى أَنْ لَيْسَ لِلْمُنَازَعَةِ فِي اللَّفْظِ وَجْهٌ ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يُعَبِّرَ عَمَّا عَقِلَهُ مِنَ الْـمَعْنَى بِمَا شَاءَ مِنَ الْأَلْفَاظِ . ا هـ .

كُلُّ ذَلِكَ جدلٌ وتلبيسٌ ، ولفظُ الِاسْتحسانِ ليسَ فِي كتابِ اللهِ ـ تَعَالَى ـ ، وَلَا فِي حديثِ رسولِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَمَا سماهُ الحنفيةُ استحسانًا ، إِنْ كانَ ذُكِرَ فِي كتابِ اللهِ أَوْ حديثِ رسولِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بغيرِ ذَلِكَ الِاسْمِ ، فليسَ لَهُمْ وَلَا لِغَيْرِهِمْ أنْ يسميهُ غيرَ مَا سماهُ اللهُ ورسولُهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَإِنْ كانَ لَمْ يذكرْ فِي كتابِ اللهِ ، وَلَا حديثِ رسولِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فهوُ بدعةٌ محدثةٌ ، والإنسانُ قَدْ يُعَبِّرُ بالعربيةِ ، والروميةِ ، والفارسيةِ ، وغيرهَا ، وليسَ فِي ذَلِكَ حجةٌ عَلَى أنهُ يجوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يسمِّى شيئًا فِي الدينِ غيرَ مَا سماهُ اللهُ ورسولُهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ، وَلَا أَنْ يحدثَ ألفاظًا يتكلمُ بِهَا فِي الدينِ ليستْ فِي كتابِ اللهِ وَلَا حديثِ رسولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وَقَوْلُهُ : «وَهَذَا كَلَامُ فِي الْعِبَارَةِ لَا يَقَعُ فِي مِثْلِهِ مُضَايَقَةٌ» ، وَقَوْلُهُ : «عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُنَازَعَةِ فِي اللَّفْظِ وَجْهٌ» ، لَمْ أجدْ أحدًا قَالَ قبلَهُ ، أَوْ قالَ مَا يشبهُهُ ، وأبُو بكرٍ الْـجَصَّاصُ كانَ أخذَ عَنِ الْكرخيِّ ، وأبِي عبدِ اللهِ البصريِّ المعتزليِّ ، ولَمْ يصلْ إلينَا كثيرٌ مِنْ كلامِهِمْ ، فَلَا أدرِي لعلَّ الجصاصَ كانَ أولَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ، أَوْ لَعَلَّهُ كانَ أخذَهُ عنهُمْ .

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ فِي كِتَابِهِ «التَّقْرِيبُ وَالْإِرْشَادُ» : «وَهَذِهِ مُنَاظَرَةٌ وَمُشَاحَّةٌ فِي عِبَارَةٍ وَتَسْمِيَةٍ». اهـ .

قالَهَا وهُوَ يتكلَّمُ فِي صيامِ المسافرِ أيامًا أخرَ ، هَلْ تُسَمَّى قَضَاءً ؟ 

وَقَالَ : «وَلَا طَائِلَ فِي النِّزَاعِ فِي الْعِبَارَاتِ ، وَالْأَسْمَاءِ ، وَالْأَلْفَاظِ ، بَعْدَ أَنْ بَيَّنَّا أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ لِـمَا لَيْسَ مِنَ الْجِنْسِ». ا هـ .
قَالَهَا فِي آخرِ بابِ الكلامِ فِي أقسامِ الِاسْتثناءِ وضروبِهِ .

وَقَالَ ابْنُ سِينَا فِي كِتَابِهِ «الْإِشَارَاتِ وَالتَّنْبِيهَاتِ» : «وَالْقَضَايَا الَّتِي فِيهَا ضَرُورَةٌ بِشَرْطٍ غَيْرِ الذَّاتِ ، فَقَدْ تُخَصُّ بِاسْمِ الْـمُطْلَقَةِ ، وَقَدْ تُخَصُّ بِاسْمِ الْوُجُودِيَّةِ ، كَمَا خَصَّصْنَاهَا بِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَا تَشَاحَّ فِي الْأَسْمَاءِ». ا هـ .

وَقَالَ : «فَإِنْ لَمْ يُسَمَّ هَذَا مَفْعُولًا بِسَبَبِ أَنْ لَمْ يَتَقَدَّمَهُ عَدَمٌ ، فَلَا مُضَايَقَةَ فِي الْأَسْمَاءِ بَعْدَ ظُهُورِ الْـمَعْنَى»  . ا هـ .

وَقَالَ فِي كِتَابِهِ «الشِّفَاءِ» قِسْمُ الْإِلَهِيَّاتِ : «وَنَحْنُ لَا نُنَاقِشُ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْبَتَّةَ بَعْدَ أَنْ تُحَصَّلَ الْـمَعْانِي مُتَمَيِّزَةً" . ا هـ .

وَقَالَ فِي قِسْمِ السَّمَاعِ الطَّبِيعِيِّ : «وَأَنْتَ غَيْرُ مُجْبَرٍ عَلَى اخْتِيَارِ أَيِّ الِاسْتِعْمَالَاتِ شِئْتَ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ إِلَّا مُشَاجَرَةً فِي التَّسْمِيَةِ فَقَطْ». ا هـ .

وَقَالَ فِي «الْإِشَارَاتِ وَالتَّنْبِيهَاتِ» : «فَإِنِ اتَّفَقَ أَنْ لَا يُوجَدَ لِلْمَعْنَى لَفْظٌ مُنَاسِبٌ مُعْتَادٌ ، فَلْيُخْتَرَعْ لَهُ لَفْظٌ مِنْ أَشَدِّ الْأَلْفَاظِ مُنَاسَبَةً ، وَلْيُدَلَّ عَلَى مَا أُرِيدَ بِهِ». ا هـ .

وَقَالَ الْغَزَّالِيُّ فِي كِتَابِهِ «إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ» الْبَابُ السَّابِعُ فِي النَّوَافِلِ مِنَ الصَّلَوَاتِ : «فَلَفْظُ النَّافِلَةِ ، وَالسُّنَّةِ ، وَالْـمُسْتَحَبِّ ، وَالتَّطَوُّعِ ، أَرَدْنَا الِاصْطِلَاحَ عَلَيْهِ لِتَعْرِيفِ هَذِهِ الْـمَقَاصِدَ ، وَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ يُغَيِّرُ هَذَا الِاصْطِلَاحَ ، فَلَا مُشَاحَّةَ فِي الْأَلْفَاظِ بَعْدَ فَهْمِ الْـمَقَاصِدِ».اهـ.

قُلْتُ: وتلكَ الألفاظُ : «النافلةُ ، والسُّنَّةُ ، والمستحبُّ ، والتطوعُ» هِيَ فِي كتابِ اللهِ وحديثِ رسولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ، ومَا تدلُّ عليهِ تِلْكَ الألفاظَ فِي كلامِ اللهِ ورسولِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بَيِّنٌ ، وليسَ لأحدٍ مِنَ الناسِ أنْ ينقلَ شيئًا مِنْ كلامِ اللهِ ورسولِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إلَى غيرِ مَا كانَ يدلُّ عليهِ ، ومنْ نقلَ شيئًا مِنْ كلامِ اللهِ ورسولِهِ ، إلَى غيرِ مَا كانَ يدلُّ عليهِ ، فهوُ مُحْدِثٌ فِي الدينِ مَا لَمْ يكنْ منهُ ، ومُغَيِّرٌ لكلامِ اللهِ ورسولِهِ ، ومخالفٌ للسانِ العربِ الَّذِي نزلَ القرآنُ بِهِ ، فكيفَ يُقَالُ : إِنَّ ذَلِكَ اصْطِلَاحٌ ، وَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ يغيِّرُ ذَلِكَ الِاصْطلاحَ ، ولَوْ كانَ كذَلِكَ لصَارَ كُلُّ مَنْ شاءَ مِنَ النَّاسِ ، ينقلُ مَا شَاءَ مِنْ ألفاظِ القرآنِ والحديثِ إلَى غيرِ مَا كانتْ تَدُلُّ عليهِ ، وليسَ بتلكَ الألفاظِ علَى الناسِ ، ويدعوهُمْ بهَا إلَى غيرِ مَا كانتْ عليهِ ، ويُلَبِّسُ بتلكَ الألفاظِ علَى الناسِ ، ويدعوهُمْ بِهَا إلَى غيرِ مَا دعاهُمْ إليهِ اللهُ ورسولِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ، وكذلكَ فعلَ المعتزلةُ والصوفيةُ وغيرهُمْ مِمَّنْ نقلَ ألفاظَ القرآنِ والحديثِ إلَى غيرِ مَا كانتْ تدلُّ عليهِ ، وسمَّى ذلكَ اصطلاحًا ، وزعمَ أنَّهُ لَا مُشَاحَّةَ فِيهِ ، وتِلْكَ الكلمةُ : «لَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ» ، أكثرَ منهَا الغزالِيُّ فِي كُتُبِهِ ، وذكرهَا بألفاظٍ مختلفةٍ : لَا مُشَاحَّةَ فِي الْأَلْقَابِ ، والِاصْطِلَاحَاتِ ، والْأسَامِي ، والأسْمَاءِ ، والألْفَاظِ ، ولَا مُنَازَعَةَ ، وَلَا حَرَجَ ، وَلَا رَيْبَ ، أخذهَا الغزاليُّ مِنْ كلامِ الجوينِيِّ ، وابن سِينَا ، والباقلانيِّ ، والجصاصِّ ، وأصحابِهِمْ .

وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي «نَفَائِسِ الْأُصُولِ» : «وَقَدْ أَجْمَعَ قَوْمٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْجُهَّالِ عَلَى ذَمِّهِ ـ يَعْنِي أُصُولَ الْفِقْهِ ـ ، وَتَحْقِيرِهِ فِي نُفُوسِ الطَّلَبَةِ» ، ثُمَّ قَالَ رَدًّا عَلَيْهِمْ : «غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ـ لَمْ يَكُونُوا يَتَخَاطَبُونَ بِهَذِهِ الِاصْطِلَاحَاتِ ، أَمَّا الْـمَعَانِي فَكَانَتْ عِنْدَهُمْ قَطْعًا ، وَمِنْ مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ أَوَّلَ مَنْ صَنَّفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ))اهـ .

وَقَوْلُهُ : «أَمَّا الْـمَعَانِي فَكَانَتْ عِنْدَهُمْ ـ يعنِي الصحابةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ـ قَطْعًا» ؛ خطأٌ ، وكثيرٌ مِمَّا ملأَ الأصوليونَ بِهِ كتبَهُمْ مِنَ الْجدلِ والكلامِ لَمْ يكنْ عندَ أصحابِ رسولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ منهُ شيءٌ ، ولَا خطرَ بقلوبِهِمْ ، ومَا كانَ عندهُمْ فَقَدْ بينُوهُ وبلَّغُوهُ مَنْ بعدَهُمْ ، وبلسانِهِمْ نزلَ القرآنُ ، فَلِمَ تُتْرَكُ ألفاظُهُمْ ، ويُؤْخَذُ بألفاظٍ أحدثَهَا المتكلمونَ بعدَهُمْ ، والشافعيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ لَمْ يسمِّ رسالتَهُ «أصولُ الفقهِ» ، ولَا كانَ ذَلِكَ الِاسْمُ عُرِفَ بعدُ فِي زمانِهِ ، ورسالةُ الشافعيِّ لَا تشبهُ مَا أحدثهُ بعدَهُ المتكلمونَ مِنَ المعتزلَةِ ، وسمَّوْهُ أصولَ الفقهِ ، ولَا لسانَ الشافعيَّ يشبهُ لسانُهُمْ ، وأكثرُ مَا أحدثهُ أولئكَ المعتزلَةُ مِنَ الْألفاظِ، وابتدعُوهُ مِنَ الْأسماءِ لَمْ يتكلَّمْ بِهِ الشافعيُّ وَلَا أحدَ غيرَهُ قبلَهُمْ  .

يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ : «وَلِهَذَا كَرِهَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ ـ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ ـ أَنْ تُرَدَّ الْبِدْعَةُ بِالْبِدْعَةِ ، فَكَانَ أَحْمَدُ فِي مُنَاظَرَتِهِ لِلْجَهْمِيَّةِ لَـمَّا نَاظَرُوهُ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ وَأَلْزَمَهُ أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بُرْغُوثٌ أَنَّهُ إذَا كَانَ غَيْرَ مَخْلُوقٍ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ اللهُ جِسْمًا ، وَهَذَا مُنْتَفٍ ؛ فَلَمْ يُوَافِقْهُ أَحْمَدُ ، لَا عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ ، وَلَا عَلَى إثْبَاتِهِ، وَنَبَّهَ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يُدْرَى مَا يُرِيدُونَ بِهِ ، وَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ مُرَادُ الْـمُتَكَلِّمِ بِهِ لَمْ يُوَافِقْهُ ؛ لَا عَلَى إثْبَاتِهِ وَلَا عَلَى نَفْيِهِ ، فَإِنْ ذَكَرَ مَعْنًى أَثْبَتَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ أَثْبَتْنَاهُ ، وَإِنْ ذَكَرَ مَعْنًى نَفَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ نَفَيْنَاهُ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ الْـمُبِينِ ، وَلَمْ نَحْتَجْ إلَى أَلْفَاظٍ مُبْتَدَعَةٍ فِي الشَّرْعِ ، مُحَرَّفَةٍ فِي اللُّغَةِ ، وَمَعَانِيهَا مُتَنَاقِضَةٌ فِي الْعَقْلِ ؛ فَيَفْسُدُ الشَّرْعُ وَاللُّغَةُ وَالْعَقْلُ ؛ كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الْبِدَعِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ الْبَاطِلِ الْـمُخَالِفِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَفْظُ «الْجَبْر» كَرِهَ السَّلَفُ أَنْ يُقَالَ : «جَبَرَ» ، وَأَنْ يُقَالَ : «مَا جَبَرَ» ؛ فَرَوَى الْـخَلَّالُ فِي كِتَابِ «السُّنَّةِ» عَنْ أَبِي إسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ ـ الْإِمَامِ ـ قَالَ: قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : «أَتَانِي رَجُلَانِ فَسَأَلَانِي عَنِ الْقَدَرِ ، فَأَحْبَبْت أَنْ آتِيَك بِهِمَا تَسْمَعُ كَلَامَهُمَا وَتُجِيبُهُمَا» . قُلْت : «رَحِمَكَ اللهُ أَنْتَ أَوْلَى بِالْجَوَابِ» . قَالَ : «فَأَتَانِي الْأَوْزَاعِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ ، فَقَالَ : تَكَلَّمَا ، فَقَالَا : قَدِمَ عَلَيْنَا نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْقَدَرِ فَنَازَعُونَا فِي الْقَدَرِ ، وَنَازَعْنَاهُمْ حَتَّى بَلَغَ بِنَا وَبِهِمُ الْجَوَابُ ؛ إلَى أَنْ قُلْنَا : إنَّ اللهَ قَدْ جَبَرَنَا عَلَى مَا نَهَانَا عَنْهُ ، وَحَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَا أَمَرَنَا بِهِ وَرَزَقَنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا» ، فَقَالَ : «أَجِبْهُمَا يَا أَبَا إسْحَاقَ» ، قُلْتُ : «رَحِمَك اللهُ ، أَنْتَ أَوْلَى بِالْجَوَابِ» ، فَقَالَ : «أَجِبْهُمَا ؛ فَكَرِهْتُ أَنْ أُخَالِفَهُ ؛ فَقُلْت : يَا هَؤُلَاءِ إنَّ الَّذِينَ آتَوْكُمْ بِمَا أَتَوْكُمْ بِهِ قَدْ ابْتَدَعُوا بِدْعَةً ، وَأَحْدَثُوا حَدَثًا ، وَإِنِّي أَرَاكُمْ قَدْ خَرَجْتُمْ مِنَ الْبِدْعَةِ إلَى مِثْلِ مَا خَرَجُوا إلَيْهِ» ؛ فَقَالَ : «أَجَبْتَ وَأَحْسَنْتَ يَا أَبَا إسْحَاقَ» .

وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: «سَأَلْتُ الزُّبَيْدِيَّ وَالْأَوْزَاعِيَّ عَنِ الْجَبْرِ» ؛ فَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ : «أَمْرُ اللهِ أَعْظَمُ ، وَقُدْرَتُهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُجْبِرَ ، أَوْ يُعْضِلَ، وَلَكِنْ يَقْضِي وَيُقَدِّرُ ، وَيَخْلُقُ وَيَجْبُلُ عَبْدَهُ عَلَى مَا أَحَبَّ» . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : «مَا أَعْرِفُ لِلْجَبْرِ أَصْلًا مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ؛ فَأَهَابُ أَنْ أَقُولَ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّ الْقَضَاءَ وَالْقَدَرَ ، وَالْخَلْقَ وَالْجَبْلَ ، فَهَذَا يُعْرَفُ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ، وَإِنَّمَا وُضِعَتْ هَذَا مَخَافَةَ أَنْ يَرْتَابَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَمَاعَةِ وَالتَّصْدِيقِ» . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْـمَرُوذِيِّ قَالَ : «قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللهِ : تَقُولُ إنَّ اللهَ أَجْبَرَ الْعِبَادَ ؟ فَقَالَ : هَكَذَا لَا تَقُولُ ، وَأَنْكَرَ هَذَا ، وَقَالَ : يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ» . وَقَالَ الْـمَرُوذِيُّ : «كُتِبَ إلَى عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي أَمْرِ حُسَيْنِ بْنِ خَلَفٍ الْعَكْبَرِيِّ ، وَقَالَ : إنَّهُ تَنَزَّهَ عَنْ مِيرَاثِ أَبِيهِ ، فَقَالَ رَجُلٌ قَدَرِيٌّ : إنَّ اللهَ لَمْ يُجْبِرْ الْعِبَادَ عَلَى الْـمَعَاصِي ؛ فَرَدَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ رَجَاءٍ فَقَالَ : إنَّ اللهَ جَبَرَ الْعِبَادَ ـ أَرَادَ بِذَلِكَ إثْبَاتَ الْقَدَرِ ـ ، فَوَضَعَ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ كِتَابًا يُحْتَجُّ فِيهِ . فَأَدْخَلْته عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ ، وَأَخْبَرْته بِالْقِصَّةِ ، قَالَ : وَيَضَعُ كِتَابًا ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا ، عَلَى ابْنِ رَجَاءٍ حِينَ قَالَ: جَبَرَ الْعِبَادَ ، وَعَلَى الْقَدَرِيِّ الَّذِي قَالَ : لَمْ يَجْبُرْ ، وَأَنْكَرَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ وَضْعَهُ الْكِتَابَ وَاحْتِجَاجَهُ ، وَأَمَرَ بِهِجْرَانِهِ لِوَضْعِهِ الْكِتَابَ ، وَقَالَ لِي : يَجِبُ عَلَى ابْنِ رَجَاءٍ أَنْ يَسْتَغْفِرَ رَبَّهُ لَـمَّا قَالَ : جَبَرَ الْعِبَادَ ، فَقُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللهِ : فَمَا الْجَوَابُ فِي هَذِهِ الْـمَسْأَلَةِ ؟ فَقَالَ : يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ» . قَالَ الْـخَلَّالُ : «وَأَخْبَرَنَا الْـمَرُوذِيُّ فِي هَذِهِ الْـمَسْأَلَةِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اللهِ لَـمَّا أَنْكَرَ عَلَى الَّذِي قَالَ : لَمْ يَجْبُرْ ، وَعَلَى مَنْ رَدَّ عَلَيْهِ : جَبَرَ ؛ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ : كُلَّمَا ابْتَدَعَ رَجُلٌ بِدْعَةً اتسعوا فِي جَوَابِهَا ، وَقَالَ : يَسْتَغْفِرُ رَبَّهُ الَّذِي رَدَّ عَلَيْهِمْ بِمُحْدَثَةٍ ، وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ رَدَّ شَيْئًا مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ إمَامٌ تَقَدَّمَ» . قَالَ الْـمَرُوذِيُّ : «فَمَا كَانَ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ قَدِمَ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ مِنْ عَكْبَرَا وَمَعَهُ نُسْخَةٌ وَكِتَابٌ مِنْ أَهْلِ عَكْبَرَا ، فَأَدْخَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ ؛ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ هَذَا الْكِتَابُ ادْفَعْهُ إلَى أَبِي بَكْرٍ حَتَّى يَقْطَعَهُ ، وَأَنَا أَقُومُ عَلَى مِنْبَرِ عَكْبَرَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ ؛ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ لِي : يَنْبَغِي أَنْ تَقْبَلُوا مِنْهُ وَارْجِعُوا إلَيْهِ» . قَالَ الْـمَرُوزِيُّ : «سَمِعْتُ بَعْضَ الْـمَشْيَخَةِ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ يَقُولُ : أَنْكَرَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : جَبَرَ ، وَقَالَ : اللهُ تَعَالَى جَبَلَ الْعِبَادَ» . قَالَ الْـمَرُوذِيُّ: «أَظُنُّهُ أَرَادَ قَوْلَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ» . قُلْتُ : هَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْـمَوْضِعِ ، وَإِنَّمَا الْـمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يُرَاعُونَ لَفْظَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ فِيمَا يُثْبِتُونَهُ وَيَنْفُونَهُ عَنِ اللهِ مِنْ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ ، فَلَا يَأْتُونَ بِلَفْظٍ مُحْدَثٍ مُبْتَدَعٍ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ ، بَلْ كُلُّ مَعْنًى صَحِيحٍ ، فَإِنَّهُ دَاخِلٌ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ، وَالْأَلْفَاظُ الْـمُبْتَدَعَةُ لَيْسَ لَهَا ضَابِطٌ ، بَلْ كُلُّ قَوْمٍ يُرِيدُونَ بِهَا مَعْنًى غَيْرَ الْـمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ أُولَئِكَ كَلَفْظِ الْجِسْمِ ، وَالْجِهَةِ ، وَالْحَيِّزِ ، وَالْجَبْرِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ؛ بِخِلَافِ أَلْفَاظِ الرَّسُولِ ، فَإِنَّ مُرَادَهُ بِهَا يُعْلَمُ ، كَمَا يُعْلَمُ مُرَادُهُ بِسَائِرِ أَلْفَاظِهِ ، وَلَوْ يَعْلَمُ الرَّجُلُ مُرَادَهُ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْإِيمَانُ بِمَا قَالَهُ مُجْمَلًا ، وَلَوْ قُدِّرَ مَعْنًى صَحِيحٌ ـ وَالرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ ـ لَمْ يَحُلَّ لِأَحَدٍ أَنْ يُدْخِلَهُ فِي دِينِ الْـمُسْلِمِينَ ، بِخِلَافِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ، فَإِنَّ التَّصْدِيقَ بِهِ وَاجِبٌ ، وَالْأَقْوَالُ الْـمُبْتَدَعَةُ تَضَمَّنَتْ تَكْذِيبَ كَثِيرٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ، وَذَلِكَ يَعْرِفُهُ مَنْ عَرَفَ مُرَادَ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ، وَمُرَادَ أَصْحَابِ تِلْكَ الْأَقْوَالِ الْـمُبْتَدَعَةِ ، وَلَـمَّا انْتَشَرَ الْكَلَامُ الْـمُحْدَثُ ، وَدَخَلَ فِيهِ مَا يُنَاقِضُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَصَارُوا يُعَارِضُونَ بِهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ ؛ صَارَ بَيَانُ مُرَادِهِمْ بِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ ، وَمَا احْتَجُّوا بِهِ لِذَلِكَ مِنْ لُغَةٍ وَعَقْلٍ يُبَيِّنُ لِلْمُؤْمِنِ مَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَقَعَ فِي الْبِدْعَةِ وَالضَّلَالِ ، أَوْ يَخْلُصَ مِنْهَا ـ إنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ ـ ، وَيَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ مَا يُعَارِضُ إيمَانَهُ بِالرَّسُولِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنْ ذَلِكَ» .

وَقَالَ ابْنُ الْوَزِيرِ فِي كِتَابِهِ «إِيثَارُ الْـحَقِّ عَلَى الْـخَلْقِ» : «فَاعْلَمْ أَنَّ ابْتِدَاعَ الْـمُبْتَدِعِينَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ رَاجِعٌ إِلَى هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ الْبَاطِلَيْنِ ، وَهُمَا الزِّيَادَةُ فِي الدِّينِ وَالنَّقْصِ مِنْهُ ، ثُمَّ يُلْحَقُ بِهِمَا التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْعِبَارَاتِ الْـمُبْتَدَعَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ، وَلَيْسَ بِأَمْرٍ ثَالِثٍ ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي الدِّينِ ، لَكِنَّهُ يُفْرَدُ بِالْكَلَامِ وَحْدَهُ لِطُولِ الْقَوْلِ فِيهِ ، وَعِظَمِ الْـمَفْسَدَةِ الْـمُتَوَلِّدَةِ عَنْهُ»

ثُمَّ قَالَ : «الْأَمْرُ الثَّالِثُ : التَّصَرُّفُ فِي عِبَارَاتِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَالرِّوَايَةِ بِظَنِّ التَّرَادُفِ فِي الْأَلْفَاظِ ، وَاعْتِقَادِ التَّرَادُفِ مِنْ غَيْرِ يَقِينٍ ، وَقَدْ تَفَاحَشَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ ، وَنَصَّ الْقُرْآنُ عَلَى النَّهْيِ عَنِ التَّفَرُّقِ ، فَوَجِبٌ تَحْرِيمُ مَا أَدَّى إِلَيْهِ ، وَالِاخْتِلَافُ فِي مَعَانِي كِتَابِ اللهِ ـ تَعَالَى ـ ، وَرِوَايَةِ مَا قَالَ اللهُ وَرَسُولُهُ بِالْـمَعْنَى قَدْ أَدَّى إِلَى الْحَرَامِ الْـمَنْصُوصِ ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْإِنْصَافِ أَنْ نَقُولَ : الْحَقُّ مُتَعَيِّنٌ مُنْحَصِرٌ فِي عِبَارَاتِ بَعْضِ فِرَقِ الْإِسْلَامِ دُونَ بَعْضٍ ، غَيْرَ مَا ثَبَتَ فِي إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَالْعِتْرَةِ , فَوَجِبٌ أَنْ يَعْدِلَ إِلَى أَمْرٍ عَدْلٍ بَيْنَ الْجَمِيعِ ، فَتُتْرَكُ كُلُّ عِبَارَةٍ مُبْتَدَعَةٍ مِنْ عِبَارَاتِ فِرَقِ الْإِسْلَامِ كُلِّهَا».

فَمَا سماهُ المتكلمونَ اصطلاحاتٍ ومصطلحاتٍ ، هِيَ ألفاظٌ محدثةٌ ، وألسنةٌ محدثةٌ مخالفةٌ للسانِ العربِ الَّذِي نزلَ القرآنُ بِهِ ، وتلكَ الألسنةُ وَالألفاظُ المحدثةُ منهَا مَا أحدثتْهُ العامَّةُ مِنَ الناسِ ، ومنهَا مَا أحدثهُ المتكلمونَ والصوفيةُ والفقهاءُ والمحدثونَ والنحاةُ والأطباءُ وغيرُهُمْ ، وليسَ الكلامُ فِي الدينِ كالكلامِ فِي النَّحْوِ والطبِّ وغيرِهِ ، وكلُّ محدثةٍ فِي الدينِ بدعةٌ ، وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ ، وكانَ السلفُ ينكرونَ كلَّ لفظةٍ محدثةٍ فِي الدينِ ، ليستْ فِي كتابِ اللهِ ، ولَا فِي حديثِ رسولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ، ولَا تكلمَ بِهَا أحدٌ يؤخذُ عنهُ العلمُ قبلَهُمْ ، وكانَ المعتزلةُ والصوفيةُ وغيرهُمْ مِنَ المبتدعةِ هُمْ أولُ مَنْ أحدثَ تلكَ الألفاظَ فِي الدينِ ، وأكثرَ المتكلمونَ منهُمْ مِنْ تلكَ الألفاظِ فِي المائةِ الرابعةِ وبعدَهَا ، وسمَّوْهَا اصطلاحاتٍ ، وزعمُوا أنَّ لَا مُشَاحَّةَ فِيهَا ، واتبعَهُمْ علَى ذَلِكَ الأشعريةُ ، وطوائفُ مِنَ المتفقهينَ ، وشاعتْ تِلْكَ الكلمةُ عَلَى ألسنتِهْمِ ، وأحدثُوا ألفاظًا كثيرةً يتكلمونَ بِهَا فِي الدينِ، ليستْ فِي كتابِ اللهِ ، ولَا حديثِ رسولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ، ولَا تكلَّمَ بِهَا أَحدٌ قبلَهُمْ ، ونقلُوا كثيرًا مِنْ ألفاظِ القرآنِ والحديثِ إلَى غيرِ مَا كانتْ تدلُّ عليْهِ ، وأنكرَ ابْنُ تيميةَ وابنُ القيمِ كثيرًا مِنْ تلكَ الألفاظِ المحدثةِ ، ولكنهُمْ تكلمُوا بكثيرٍ منهَا ، وأحدثُوا هُمْ ألفاظًا مثلهَا يجيبونَ بِهَا المتكلمونَ ، فكانَ لسانُهُمْ يشبهُ ألسنةَ المتكلمينَ فِي زمانِهِمْ ودَعَا ابنُ الوزيرِ الصنعانيُّ إلَى هجرِ كلِّ عبارةٍ مُبْتَدَعَةٍ فِي الدينِ مِنْ عباراتِ فِرَقِ الإسلامِ كلِّهَا ، ولكنهُ تكلَّمَ بتلكَ العباراتِ والألفاظِ ، واعتذرَ بقولِهِ : إنَّهُ لَمْ يمنعْ منهَا مطلقًا ، فحلَّ بِذَلِكَ مَا أبرمَ ، ونقضَ مَا غَزَلَ ، وأفسدَ صوابَ رأيهِ بضعفِ عزيمتِهِ ، فشاعتْ تِلْكَ الألفاظُ المحدثةُ ، وكثرتْ فِي المتأخرينَ ، وصارتْ ألسنةُ الفقهاءِ والمتفقهينَ عَلَى غيرِ مَا كانتْ عليهِ فِي كلامِ اللهِ ورسولِهِ فخفِيَ علَى أكثرِ المتفقهينَ مَا كانتْ تدلُّ عليهِ تلكَ الألفاظُ فِي كلامِ اللهِ ورسولِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ، والْتَبَسَ عليهِمُ الْحَقَّ بالباطلِ ، والسُّنَّةَ بالبدعةِ ، وضَلُّوا عَنْ لسانِ العربِ الَّذِي نزلَ القرآنُ بِهِ ، وأكثرُ اختلافِ الناسِ بعدَ رسولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كانَ مِنِ اخْتلافِ الألسنةِ ، ونقلِ ألفاظِ العربِ علَى غيرِ مَا كانتْ تدلُّ عليهِ ، وحفظُ لسانِ العربِ الَّذِي نَزَلَ القرآنُ بِهِ ، والتفريقُ بينَهُ وبينَ تِلْكَ الألسنةِ المحدثةِ هُوَ حِفْظُ الدِّينِ كُلِّهِ   .

الْـخُلَاصَةُ:

كُلُّ مَنْ سمَّى شيئًا مِنَ الدِّينِ غيرَ مَا سمَّاهُ اللهُ ـ تَعَالَى ـ وَرَسُولُهُ بِهِ ـ وَلَوْ كانَ المعنَى واحدًا مُتَرَادِفًا ، فَمُجَرَّدُ الإحداثِ بدعةٌ ـ ، أَوْ نقلَ لفظَهُ مِنْ كلامِ اللهِ ورسولِهِ إلَى غيرِ مَا تدلُّ عليْهِ ، أَوِ اخْتَرَعَ لفظًا فجعلَ الإيمانَ بِهِ واجبٌ ، والعدولُ عنهُ بدعةٌ ، فَهُوَ يُضِلُّ عَنِ الحقِّ ، وَيُلْبِسُهُ بالباطلِ ، وَلَا حَرَجَ علَى الناسِ أَنْ يحدثُوا ألفاظًا يتكلمونَ بِهَا فِي أمرِ دنياهُمْ , أَوِ اصْطلاحاتِ علومِهِمْ مَا لَمْ يغيِّرُوا بذَلِكَ شيئًا مِنْ أمرِ دينِهِمْ ، أَوْ يضعُوا اللفظَ المصطلحَ عليهِ فِي العلمِ محلَّ اللفظِ الشرعيِّ ، أَوْ يَحْمِلُوا اللَّفظَ الشرعيَّ علَى معنَى اللَّفظِ الَّذِي اصْطَلَحُوا عليْهِ فِي علومِهِمْ ، وكذَلِكَ مَا يدُورُ فِي مجالسِ المناظرةِ ، ومجارِي الردودِ مِنِ اسْتعمالِ تِلْكَ الألفاظِ البِدْعِيَّةِ لِبيانِ مَا فيهَا مِنْ باطلٍ ، وكشفِ مَا قَدْ تتضمنَهُ مِنَ الْحقِّ الَّذِي لَا يجوزُ التعبيرُ عنهُ إلَّا باللفظِ الشرعيِّ جَائِزٌ لَا بأسَ بِهِ مَا لَمْ يَتَعَدَّى إِلَى غيرِهِ ، وإنْ كانَ المشاهدُ أَنَّ استعمالَ تِلْكَ الألفاظِ يقودُ إلَى غلبتِهَا علَى الألسنَةِ ، وَقَلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنْ هَذَا ..


0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : عرب بلوجر