الثلاثاء، 16 يوليو 2013

الْعُكُوفُ حَوْلَ كُتُبٍ بِعَيْنِهَا لَا تُجاوزُ فِي التَّدْرِيسِ ، وَحِلَقِ الْعِلْمِ









بِسْمِ اللهِ ، وَالْحَمْدُ للهِ ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ، وَمَنْ وَالَاهُ ، وَبَعْدُ..

فمنْ أشدِّ المسالكِ خطرًا علَى العلمِ وأهلِهِ العكوفُ علَى كتبٍ بعينِهَا ، والدورانِ حولَهَا قراءَةً ، وشرحًا ، وتحشيةً ، وتقريرًا بحيثُ تهوَي هذِهِ الكتبُ بأخواتٍ لَهَا قبلَهَا ، ومعَهَا ، وبعدَهَا فِي غياهِبِ النِّسيانِ ، وجبِّ الغفلَةِ ، وبحيثُ يؤدِّي هذَا العكوفُ بالطالِبِ إلَى صنعِ سياجٍ منَ الْإلفِ ، والعادةِ يحولُ بينَهُ وبينَ تتبعِ أوائِلِ الأمورِ ، وتحقيقِ مَا فِي هذِهِ الكتبِ منْ تصوراتٍ وأحكامٍ ، ثُمَّ يقودُهُ كلُّ ذلِكَ إلَى سجنٍ كبيرٍ يتعاملُ الطالبُ فِيهِ معَ مَا وردَ فِي هذِهِ الكتبِ علَى أنَّهُ حزمٌ منَ الْـمُسَلَّمَاتِ الَّتِي لَا يجوزُ نقضُهَا، أَوْ حتَّى مجردُ الْبحثِ فِي مدَى سلامَتِهَا.

وهذِهِ الجنايةُ تحديدًا هيَ الَّتِي أودَتْ بالأزهرِ ذلِكَمُ الصرحُ العلميُّ الشامخُ ، والَّذِي باتَ ـ منْ أثرِ هذِهِ الجنايَةِ ـ عقبةً كئودًا فِي طريقِ التجديدِ والمجددينَ ، وسيفًا مسلولًا فِي وجهِ كلِّ منْ يفكرُ فِي تجاوزِ تقريراتِ الرَّازِي ، والسُّبْكِي ونظرائِهِمْ فِي مجالاتِ العلمِ المختلفَةِ.

وأنتَ تجدُ أثرَ هذِهِ الجنايةِ أينَمَا وجَّهتَ بصرَكَ ، وطوَّفتَ بِهِ فِي أبوابِ العلمِ ، ولَا يخفاكَ مَا لمقدِمَةِ ابْنِ الصَّلَاحِ ، ونُزْهَةِ الْحَافِظِ مِنْ سطوةٍ علَى قلوبِ طُلابِ علمِ الحديثِ حتَّى أصبحَ مجردُ التعرضِ لِـمَا فِيهِمَا منْ خلَلٍ منهجيٍّ تهمةً ، ومنْ بِدَعِ الْـمُحَدِّثِينَ.

وَلَا يفوتُنِي الإشارةُ إلَى عبارةِ ابْنِ الملقنِ الشهيرَةِ عندَمَا قالَ لبعضِ المالكيَّةِ : «أَنْتُمْ قَاسِمِيُّونَ» ـ أَيْ : إِنَّ دورانَكُمْ حولَ مدونَةِ ابْنِ قاسمٍ وعدمِ تجاوزِهَا إلَى غيرِهَا منَ الْـمنقولَاتِ ، وسبلِ العلْمِ بمَا كانَ عليْهِ مالكٌ رفعَ عنكمْ لقبَ المالكيَّةِ ، ولَـمْ يبقَ لكُمْ إلَّا لقبُ صاحبِ الكتابِ الَّذِي تطوفُونَ حولَهُ.

وأنتَ اليومَ تجدُ هذِهِ الجنايةَ فِي أوساطِ التعليمِ غيرِ النظاميِّ للسلفِيينَ ، وقدْ اتخذَتْ أعتَا صورِهَا شرًّا ، وأشدَّهَا خطرًا.

ذلِكَ أنَّ الدورانَ حولَ كتبٍ بعينِهَا قديمًا كانَ يحصلُ فِي مستوياتٍ مختلفةٍ منَ الكتبِ ، والمراحلِ العلميَّةِ ، أمَّا اليومَ فالسلفِيُّونَ يدورونَ حولَ مجموعةٍ مِنَ الْكتبِ المتقارِبَةِ المستَوَى ، ولا يَعْدُونَها إلَى غيرِهَا مِمَّا هوَ أشدُّ صعوبةً ، وأكثرُ عمقًا فِي العلمِ محلِّ البحثِ.

فالكتبُ الَّتِي تُدَّرَسُ فِي الِاعْتقادِ بدايةً مِنْ «ثَلَاثَةِ الْأُصُولِ» ، وانتهَاءً بمتْنِ «الطَّحَاوِيَّةِ» كلُّهَا قريبٌّ منْ قريبٍ ، وليسَ فِيهَا مَا هُوَ بعيدُ الغورِ بحيثُ يرفعُ منْ مستَوَى طالبِ العلمِ ، ويجعلُهُ مؤهَّلًا لفهمِ مطولاتِ شيخِ الإسلامِ ، أوْ لتحرِيرِ بعضِ مشكلاتِ عقائِدِ أهلِ السُّنَّةِ فضلًا عنْ فهْمِ كتبِ أهلِ الفِرَقِ ، وَلَا أستثْنِي مِنَ الْكتبِ الْـمُدَرَّسَةِ شيئًا سِوَى «التَّدمرِيَّةَ» علَى قلةٍ ظاهرَةٍ فِي شروحِهَا ، ومَنْ يَدْرُسُهَا ويُدَرِّسُهَا.

وأصولُ الفقهِ مِنَ «الْوَرَقَاتِ» إلَى «قَوَاعِدِ الْأُصُولِ» إلَى.. إلَى.. كلُّهَا كالسابقِ لا يُستثْنَى إلَّا مَا يصنعُهُ البعضُ مِنْ تدريسِ ، وشرْحِ «رَوْضَةِ النَّاظِرِ» ، وهوَ شيءٌ يكادُ يكونُ محصورًا فِي الدراسَةِ النظامِيَّةِ ، أمَّا خارجهَا فأندرُ مِنَ النَّادِرِ فضلًا عنِ الْخللِ النَّاتِجِ مِنِ اعْتبارِ «الرَّوْضَةِ» مرحلةٌ صالحةٌ للتدريسِ بعدَ المتونِ المختصرةِ.

وَقِسْ عَلَى هَذَا..
ولَوْلَا عنايةُ بعضِ مدرسِي مصطلح الحديثِ بتدريسِ مثلِ «شَرْحِ الْعِلَلِ» ، وَ«مُقَدِّمَةُ ابْنِ الصَّلَاحِ» ، وَ«النُّكَتِ» لَكانتِ الْعُلومُ جميعًا هكَذَا..

علَى أنَّ الصورَةَ فِي المصطلحِ أيضًا ليستْ وردِيَّةً تمامًا..
وفوقَ مَا ذكرْنَا منْ سلبياتِ هذَا العكوفِ فإِنَّ الصورَةَ المعاصِرَةَ تضيفُ لنَا سلبيةً جديدَةً وهِيَ : أنَّ الْـمُدَرِّسِينَ المعاصرِينَ لديهِمُ الْقدرَةُ علَى شرحِ الكتبِ المتقدِمَةِ الأشدِّ عمقًا ، ولكنَّ هذِهِ الصورةَ ستُنتجُ لنَا جيلًا مِنَ الْـمُدَرِّسِينَ عاجزٌ عنْ تجاوُزِ هذِهِ الكتبِ وفهمِهَا ، وبالتَّالِي عاجزٌ عنْ شرْحِهَا ، إلَّا إذَا عانَى هذَا الشرْحُ اعتمادًا على الفهْمِ الذاتِيِّ ، والمصيبةُ عندئِذٍ تكونُ غالبًا أعظمُ..

وأنتَ تجدُ أنَّ الطالبَ المجدَّ إذَا تجاوزَ الكتبَ المبتدئةَ فإنَّهُ لَا يجدُ مَنْ يأخُذُ بيدِهِ ، ويساعِدُهُ علَى مَا هُوَ أبعدُ غورًا منهَا ، وأشدُّ عمقًا ، فلَا يجدُ حيلَةً إلَّا أنْ ينقلبَ مُدَرِّسًا لِـمَا درسَهُ هُوَ مِنْ كتبِ البدايَاتِ.. وبالتالِي تخسرُ الأمةُ عَالِـمًا كانَ مُنْتَظَرًا ، أوْ أنْ يُقبِلَ هوَ علَى فهمِ المطولاتِ بنفسِهِ وغالبًا ما يُنتجُ هذَا مُتعالِـمًا مُتَفَيْهِقًا جديدًا تُبتَلَى بهِ الأمةُ..

ومنْ تأملَّ فِي كلامي حصلَ لَهُ وجهٌ آخرُ منْ أسبابِ العكوفِ ، وهُوَ الجمودُ علَى مَا عليْهِ علماءُ البلدِ ، بَلْ وجَعْلُهُ معيارًا يُقاسُ بِهِ الصَّوابُ والخطأُ فِي العلمِ ، والْـمُتأمِلُّ يحصلُ له أيضًا وجهٌ آخرُ مِنْ وجوهِ فسادِ العكوفِ ، وهوَ ضيقُ أفقِ أولئِكَ العاكفِينَ بحيثُ يغدُو واقعُهُمُ الضَّيِّقُ هُوَ الدُّنْيَا ، ومحصولُهُم الضَّئيلُ هُوَ العلمُ ، ومَا سِوَى ذاكَ وسواسُ الشياطين ، أوْ عبثُ( المتمجهدين) ـ فِي نَظَرِهِ ـ .

وقدْ رأيتُ منْ يقيسُ مدَى كونِ طالبِ العلمِ علَى الجادَّةِ بمدَى موافقَتِهِ لِـمَا عليْهِ الأكثرُ منْ أهلِ العلمِ !!

ولوْ وَضَعَ أبُو بكرٍ الصديقُ ، وأحمدُ ، وابنُ تيميةَ ، وابنُ عبدِ الوَهَّابِ ، وابْنُ بَاز ، والألبانِيُّ هَذَا المعيارَ أمامَ أعينِهِمْ لباتُوا مكانَهُمْ أبدَ الدَّهرِ بينَ الْحَفْرِ ..

والأقبحُ منَ الْعكوفِ النظريِّ الِاطِّلَاعِيِّ ، الْعكوفُ الْفهميُّ، فقدْ يكونُ الشخصُ واسِعَ النظرِ ، كثيرَ الرحلةِ ، و الحالُ عينُ الفهمِ واحدة ، فتعدَّدَتِ الْأسبابُ وَالموتُ واحدٌ ، وآيةُ ما ذكرتُ أنَّكَ تجدُ العالِمَ أوْ طالبُ العلمِ ، وقدْ شُهدَ لهُ بسعةِ الِاطِّلاعِ ، وكثرةِ التطوافِ بينَ أضابيرِ المصنفاتِ ، وتجدهُ برغْمِ ذلِكَ ضيقَ الأفقِ ، سريعَ النفرةِ عندَ المخالفَةِ ، لَا يقبلُ إلَّا قولَهُ «وجودًا» ، ولَا ننعَى عليْهِ أنَّهُ لَا يقبلُ إلَّا قولَهُ «صحةً» فهَذَا حقُّهُ ، وإنَّمَا نلومُ أنَّهُ يريدُ إعدامَ الْخِلَافِ ، ولوْ طالَ ، وأُذِنَ لَهُ لَأَعْدَمَ الـمُخالِفَ نفسَهُ .. وَقَدْ كَانَ ..

وبابةُ الخيرِ عندِي أنْ يجعلَ المرءُ طلبتَهُ أمرينِ :
الْـهَدْيَ الْأَوَّلَ...
وَاللِّسَانَ الْأَوَّلَ..

وأنْ يطلبَ هذينِ بكلِّ مَا أوتِيَ منْ قوَّةٍ ، وكلِّ منهجٍ أوْ بابٍ مِنْ أبوابِ المعرفَةِ ، فَمَا يجوزُ لَهُ أنْ يكونَ إلَّا مطيَّةً لهذينِ المطلبينِ ..

وبابُ النظرِّ فِي العلمِ مفتوحٌ علَى مصراعيْهِ ، ومَا مضَى منْ تاريخِنَا ليسَ إلَّا ألفُ عَامٍ ، وأقلُّ منْ نصفِهَا ، وليسَ ذلِكَ بشيءٍ فِي عمرِ الأممِ ، وَالِاجْتهادُ فرضٌ إلَى قيامِ السَّاعَةِ ، ومنْ جعلَ طلبتَهُ ضبطُ مَا كانَ عليْهِ فلانٌ وفلانٌ ، أوِ الْوقوفُ عندَ تحريرِ فلانٍ وفلانٍ خابَ وخسرَ .

وأقوالُ العلماءِ مناراتٌ علَى الطريقِ إلَى الحقِّ ، وليستْ هِيَ الحقُّ ، وكلٌّ يطلبُ ، وقدْ يطيشُ سهمُ غيركَ ممنْ سبقَ ولحقَ ، ويفوزُ سهمُكَ ، فلَا الأولُ حازَ الصوابَ بجمعيتِهِ لأوليَّتِهِ ، ولَا الآخرُ مغبونٌ خاسرٌ لتأخُّرِهِ ، ولَا يفوتُ الحقُّ عنْ قرنٍ سابقٍ بأكملِهِ ، ويدركُهُ واحدٌ فِي قرنٍ لاحقٍ ، وإنَّمَا نحنُ نتعاملُ معَ ميراثٍ منقوصٍ عَدَتْ عليْهِ عوادِي الأيامِ ، ففواتُ السلفِ للقولِ ، وفقدُهُ ليسَ دليلًا علَى عدمِهِ..

أُكَرِّرُ .. الْـهَدْيَ الْأَوَّلَ .. وَاللِّسَانَ الْأَوَّلَ .. وَمَنْ يَخْطُبِ الْـحَسْنَاءَ لَـمْ يُغْلِهِ الْـمَهْرُ ..
وَإِذَنْ:

فَلَابُدَّ مِنَ التَّرَقِّي فِي مَدَارِجِ الطَّلَبِ ، وَأَنْ يُصَاحِبُ هَذَا التَّرَقِّي تَرَقِّيًا مِنَ الْـمُدَرِّسِينَ وَالشُّرَّاحِ ، فَلَا يَطُوفُونَ حَوْلَ كُتُبٍ مُعَيَّنَةٍ لَا يُغَادِرُونَهَا إِلَّا لِـمَا هُوَ أَغْرَبُ اسْمًا ، ولكن ما تحته من الشرح متشابه لو وضعتَ بعضه مكان بعض لما تنافر وَلمَا يَبْعُدُ عَنْ مُسْتَوَى مَا يُدَرِّسُونَ، فِي سِلْسِلَةٍ نَكِدَةٍ مِنَ التِّكْرَارِ وَالِاجْتِرَارِ ، بَلْ لَابُدَّ مِنَ الِانْطِلَاقِ إِلَى تُرَاثِ الْقُرُونِ السَّابِقَةِ ، وَمُعَانَاةِ شَرْحِهِ ، وَتَقْرِيبِهِ لِلْأَجْيَالِ الْـمُعَاصِرَةِ ، وَأَنْ نُعَرِّفَهُمْ مَظَانِّ الْعِلْمِ ، وَأَنْ نُعَوِّدَهُمُ التَّحْقِيقَ ، وَمُعَانَاةَ بَذْلِ الْوُسْعِ فِي الْوُصُولِ إِلَى الْحَقِّ دُونَمَا آصَارٍ ، أَوْ أَغْلَالٍ تَقْعُدُ بِهِمْ عَنْ بُلُوغِ أَسْمَى الْغَايَاتِ..


صورة الْعُكُوفُ حَوْلَ كُتُبٍ بِعَيْنِهَا لَا تُجاوزُ فِي التَّدْرِيسِ ، وَحِلَقِ الْعِلْمِ

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | تعريب وتطوير : عرب بلوجر