skip to main |
skip to sidebar
استوردنا
من الغرب فى عهد المخلوع -وما أكثر ما استوردنا منهم فى عهده- مصطلح
"استغلال القصَّر".. وعلى إثر هذا صدَر تشريعاً هدفه المُعلن حماية هؤلاء
القُصَّر والذود عنهم برفع سن الزواج الأدنى إلى 18 عاماً، وذلك استناداً
على أن مَن هم دون هذا السن لا يعدو كونهم أطفالاً، وبالتالي فيكون زواجهم
استغلالاً للأطفال.
والحق
فإن لكلمة "استغلال الأطفال" مفعول السحر على الآذان، ويتمكن من يقرنها
إعلامياً بأى ممارسة أن يُشَيطِنها مقْنعاً الجميع بضرورة تجريمها ومكمماً
أفواه من يفكر فى الاعتراض عليه.
لكن
على أية حال بما أننا نثق فى الحكومة وتعريفاتها المترجمة فيؤسفنا أشد
الأسف بدء المقال بإخبار حضراتكم بأن معظم أجدادنا منذ أيام رمسيس وتوت عنخ
مروراً بسيدنا موسى [1] ويوسف النجار [2]
والصحابة الكرام بل وسيدنا محمد نفسه، وصولاً للقرن العشرين الذى زوّج فيه
السادات ابنته كاميليا فى سن 12 سنة وشهد على عقدها عبد الناصر وعبد
الحكيم عامر كانوا جميعاً من مستغلى الأطفال.
وهذا
فضلاً عن ضرورة التسليم بصحة نظرية التطور لدارون، إذ إن الزواج المبكر
الذى لم يكن يؤذى البشر منذ خلق آدم والذى مازال شائعاً فى الكثير من
البلاد اليوم والذى كان معتاداً فى الدول الغربية نفسها حتى منتصف القرن
المنصرم صار فجأة -ربما نتيجة تلوث البيئة أو طفرة جينية- يؤدى لمضاعفات
خطيرة تبدأ بالنزيف الداخلى ولا تنتهى بالعقم قبل المرور على الاكتئاب
المزمن وانحراف المشيمة.
والآن
بعدما تبرأنا من الأساليب الهمجية القديمة وصرنا متحضرين ومثقفين، لمَ لا
نذهب فنتأمل الحضارة الغربية أم حقوق الطفل عساها تدلنا على كيفية توفير
المزيد من الحماية والأمان له؟ وبالمرة نتعرف على بعض ما ينتظر الأمم التى
تخرج من العصر الحجرى وتطرح جلد النمر أرضاً لتركب قطار التقدم والمدنية.
فهيا معاً إلى رحلة قصيرة مدتها فقرة واحدة عن حال الأطفال فى بلاد تجريم
الاستغلال..
يبدأ الأمريكان بدراسة الجنس وطرق الوقاية من الأمراض التناسلية كى يحتاطوا لها ابتداء من سن 11 أو 12 عاماً [3]، ومتوسط العمر الذى تفقد فيه الفتاة عذريتها هناك هو 15 عاماً [4] لتصل نسبة النساء -عفواً نقصد نسبة الأطفال- اللائى يحملن خلال سنوات المراهقة هناك إلى 33% تقريباً [5]. وبريطانيا لا تختلف كثيراً [6]، حيث أن ربع عمليات الإجهاض بها لفتيات دون الـ 20 [7]. وقد أرسل أكثر من ربع مراهقى الولايات المتحدة صورهم العارية إلى آخرين [8]، بينما نجد رُبع المراهقات هناك مصابات بالأمراض الجنسية [9]، وخُمسهن يردن أن يحملن أثناء فترة المراهقة [9ب]. أما متوسط العمر الذى يبدؤون فيه بمشاهدة المواد الإباحية على الإنترنت فتُقَدره بعض الإحصاءات -أرجوك أربط حزامك- بثمانى سنوات [10]. وقد مارست واحدة من كل سبع مراهقات هناك الجنس داخل مبنى المدرسة [11].
شيء
غير متوقع بتاتاً أليس كذلك؟ رغم وجود كل تلك القوانين الصارمة التى تحمى
براءة الأطفال تخيل! هى أكثر الحضارات اغتيالاً لبراءة الطفل إذاً، ولا
يَعنى تقنين العمر الأدنى للزواج عندهم شيئاً لأنهم يمارسون الجنس فى أى سن
وفى أى مكان ومع أى شىء بزواج أو بدونه فلا تقَيدهم تلك القوانين بحال،
وذلك بعكس مجتمعنا المحافظ الذى يُمثل فيه الزواج المتنفَّس الوحيد لغرائز
من هم فوق 18 و"الأطفال" تحت 18 على السواء.. ولذا وبمنتهى البساطة فإن هذا
القانون لا يتناسب مع بيئتنا وثقافتنا، ولم يراع عند نقله أن الخواجة
سَنَّه أصلاً من أجل المنظر العام والدعاية، مِثله مثل إشارات المرور
المحروقة عندنا تماماً.
لحظة..
هل صدقت حقاً أننا نقلناه من الخواجة؟ إذاً فأنت طيب.. فالواقفون -أو
بالأصح الواقفات- خلف هذا التشريع يريدن منا الاعتقاد بأن الدول الغربية
تحدد سن النضج بـ18 عاماً، لكننا نجد أن غالبيتها العظمى تحدده بأقل من
ذلك.. وعلى سبيل المثال فسِن "الرشد الجنسى" الذى يسمح القانون عند بلوغه
الصغار للكبار بمضاجعتهم هو 16 عاماً فى كندا وهولندا وبلجيكا والنرويج
وسوِيسرا وأغلب مقاطعات بريطانيا وأستراليا [12]، و15 عاماً فى فرنسا والسويد والدنمرك واليونان [13]، أما فى إيطاليا وألمانيا والنمسا والمجر والبرتغال والفاتيكان فـ 14 عاما، وفى إسبانيا 13[14]، وجميع ولايات أمريكا حددته بأقل من 18 باستثناء اثنتى عشرة ولاية فقط [15]. وبالنسبة لبعض الدول الشرقية فنجده فى روسيا والصين 16 وفى اليابان 13[16].
وهذا بخلاف تأثير حرارة الجو فى منطقتنا العربية على سرعة البلوغ مقارنةً
بالبلاد الشمالية، وبخلاف تأثير عصر الإنترنت على سرعة نضج عقول الأطفال
بوتيرة متزايدة عاماً بعد عام. وبعد كل ذلك يتشدقون بأن سن الرشد العالمى
هو 18. أى عالم هذا الذى يتحدثون عنه؟
سيقول
النسويون من الناس أن ممارسة الجنس المبكر لا غبار عليه بعكس الزواج
المبكر، إذ إن الأخير يحتاج لنضج وتحَمُّل المسؤولية.. ورغم اعتراف رأس
النسويين مشيرة خطاب وزيرة الأسرة والسكان السابقة نفسها بأن شباب مصر الذى
يتزوج فى العشرينات يفتقر للنضج ولا يتحمل المسؤولية (وأتفق معها لكن لا
أدرى هل كانوا سيرفعون سن الزواج إلى 46 أم ماذا لمواجهة تلك الظاهرة؟)،
فسنزيد على هذا الاعتراف ما يعلمونه هُم جيداً لكنهم يريدونه أن يظل
مجهولاً عن عامة الناس.. وهو أن جميع دول الاتحاد الأوربى وجميع الولايات
الأمريكية تقريباً تسمح بالزواج فى سن 15 أو 16 بموافقة الأهل أو المحكمة [17].
بل ونجد ولاية نيو هامشر تسمح للفتيات بالزواج فى سن 13 بينما تسمح به
ولاية مستشوستس فى سن 12، أما ولاية كَلِفُرنيا أكثر الولايات الأمريكية
سكاناً فلا يوجد بها سن أدنى أصلاً بل مطلوب فقط إذن الأهل أو المحكمة
للزواج، ومع ذلك فلم ينطق الطاعنون والساخرون فى الشريعة الإسلامية لعدم
تحديدها سناً أدنى للزواج بكلمة عتاب رقيقة على قوانين الاتحاد الأوربى ولا
الولايات المتحدة. ولذا فنهيب بالخارجيات المصرية والعربية إرسال من
يفهمهم خطورة الموقف وكيف يُعد هذا استغلالاً غير مقبول للأطفال، وإن لم
يستجيبوا بالذوق وتقاعسوا عن حماية أطفالهم المساكين فعلينا بتوقيع عقوبات
اقتصادية عليهم تجعلهم عبرة لمن يعتبر، فضلاً عن التشهير بهم ليل نهار فى
وسائل الإعلام وإصدار تقارير عن حالة حقوق المرأة والطفل المتردية فى
بلادهم حتى يرتجعوا.. عسانا نكسب فى الأطفال ثوابا أو دعوة بالخير بعد
إنقاذهم من الذئاب البشرية.
وباختصار يا سادة فقد أكلنا "الأونطة" مثل كل مرة.
ورغم
سخافة الاستشهاد بالنظم والقوانين الغربية لنتعلم منها كيفية تسيير حياتنا
وكأننا لسنا أصحاب السبق والفضل الحضارى إلا إن الضرورة اقتضت ذلك لوجود
قِطاع من الناس لا يقول للصواب صواباً إلا إذا وَجد الغرب يفعله أولاً
فيطمئن ويقلده.
ولمزيد
من الطمأنة لهؤلاء نخبرهم بأنه حتى تلك الأعمار التى تحددها القوانين فى
الغرب لم تأت نتيجة توافق مجتمعى كامل هناك.. فبداخل كل دولة شد وجذب
لرفعها أو خفضها بحسب قوة التيارات المسيحية المحافظة الساعية لتيسير
الزواج وتعسير الزنى وقوة التيارات العلمانية التقدمية الساعية للعكس، ولذا
فهى عرضة للتغيير ما بين موسم انتخابى وآخر. فالخواجات يتناقشون حول ما
يرونه نافعا أو ضارا بمجتمعهم ولا يسلمون عقولهم لجهة خارجية يأتمرون
بأمرها دون مجادلة ولا مراجعة.
وبعيداً
عن المقارنة بالأجانب.. انظر للقانون المصرى نفسه الذى رغم حظْره الآن
لزواج من هم دون الـ18 باعتبارهم أطفالاً غير مؤهلين لهذا القرار إلا أنه
يسمح بمحاكمة المميِّز منهم جنائياً والحُكم عليه بسجن الأحداث إذا ما
ارتكب جريمة. أى أن هؤلاء "الأطفال" يُعامَلون كعقلاء متحملين للمسؤولية
ومستحقين للعقاب إذا ما أخطأوا، لكنهم إذ فجأةً يصيرون سفهاء سُذَّجا إذا
ما تزوجوا. والأطرف أن زنى من هم تحت 18 مع بعضهم لا يجرمه القانون المصرى
لكنه يجرم تزويجهم. ومن عجائب القدر أن نفس المنادين بتجريم زواج "القُصر"
يؤيدون إدراج الثقافة الجنسية لأولئك القصر فى المناهج التعليمية، وكأنهم
سيتحولون إلى بالغين ناضجين عند بدء الحصة الجنسية ثم يعودون أطفالاً
أبرياء مرة أخرى فور انتهاء "الشرح". هل بدأ الأمر يبدو لك كهَوَس وسعار
أعمى لتقليد الغرب دون النظر لأى اعتبارات واختلافات بيننا وبينه؟ إن بدا
لك كذلك فأنت مخطئ، فكثير من الدول العربية والإسلامية المنبطحة تحدد سن
الزواج اليوم بأعلى مما حدده الخواجة نفسه على طريقة ملكي أكثر من الملك.
ونَذكر
هنا بأن أبحاث المخ الحديثة أثبتت ما كان يعرفه الجميع مسبقاً، وهو أن
المخ البشرى -وبالتحديد الفص الجبهى الذى يميز الإنسان عن الحيوان- يستمر
فى التطور حتى الثلاثينات والأربعينات [18] ولا يكتمل نموه عند معظم الناس قبل الـ25 أبداً [19]،
فلو كان المطلوب للزواج ولغيره من المعاملات الاجتماعية هو الأهلية
الكاملة لوجب حظرها جميعاً قبل الـ40 عاما إذاً، منعاً لاستغلال الأطفال.
وإلى
جانب المتناقضات القانونية والأبحاث العلمية.. كيف يمكن وضْع جميع الناس
تحت تصنيف واحد وافتراض أنهم يظلون أطفالاً حتى سن 18 أو غيره دون النظر
لمستويات النضج المختلفة؟ فهناك بنت 15 الأريبة التى تصدمك بفهمها لبواطن
الأمور بسبب ذكائها الفطري أو كثرة اختلاطها بالناس ومشاهدة الأفلام
ومتابعة المسلسلات ودردشة النت، بينما هناك بنت 20 التى ما زالت تتصرف
كطفلة ساذجة بريئة. كما أن البيئات الاجتماعية والمادية تختلف حتماً..
فهناك الفتاة المحرومة التى تتطلع لحياة أهنأ وتتطلع أسرتها الغارقة فى
مستنقع الفقر لتقليل أعبائها المادية، وهناك كبار السن الذين يودون
الاطمئنان على بناتهم قبل الوفاة كى لا يتعرضن إن يُتّمتن للبهدلة بأنواعها
بدءاً من الإقامة البشعة فى الملاجئ مروراُ بالخدمة فى البيوت أو الشحاذة
فى الشوارع وانتهاء بالدعارة، بل وهناك اليتيمة التى تتعرض لذلك بالفعل
وتحتاج لمن يكون أباً حنوناً لها قبل أن يكون زوجاً، وعندنا أيضاً البدو
والنوبيون الذين يَعتبرون زواج "القاصرات" أمراً طبيعياً لكِبَر سنهن فى
عرفهم، والى جانب كل ذلك هناك الاحتياجات الهرمونية العنيفة فى مرحلة
المراهقة والتى تتراوح حدتها من "طفل" لآخر. وإن بدَت تلك الحالات منفردة
كمجرد استثناءات فهى فى مجموعها تصل للملايين فى بلد عملاق كمصر.. فماذا
يفعل كل هؤلاء؟
أيأكلون البتيفور؟ أفيدونا بحلولكم يا من تزعمون حماية الطفولة ومحاربة الاستغلال.
الناس
وأحوالها تختلف إذاً، فللأسف لا تنشأ كل الفتيات فى ظروف شبيهة بالتى
تربَّت فيها هوانم المعادى والزمالك. لكن تقول لمن فأنت تؤذِّن فى مالطة..
فالواقفات وراء تلك القوانين التى كانت تدعمها أقوى سيدة فى مصر يعشن فى
أبراج عاجية ولا يعبأن بكل ذلك.. فهن عضوات الحركات النسائية الأشاوس. لكن
ما علاقة نفوذ وفكر اللوبى النسائى بسن الزواج؟ يلزمنا هنا قليلاً من الشرح..
ينظر
النسويون لدور المرأة فى المجتمع على أنه يطابق دور الرجل تماماً، ومن ثَم
فيَعتبرن الزواج المبكر وأداً لمواهبها. فكلما ارتفع سن زواج الفتاة كلما
زاد احتمال خدمتها لرؤسائها في العمل معززة مكرمة بدلاً من البهدلة
والشحططة فى خدمة زوجها وأبنائها فى المنزل، وهكذا "تستقل المرأة بحياتها
وتتحرر من سيطرة الرجل". وأؤكد للقارئ المستريب أن أصحاب هذا الفكر أناس
عقلاء تماماً. وهم ينصحون كذلك ببعض الشقاوة البريئة قبل الارتباط الذى
يتسبب فى "الإحتكار الجنسى"، إذ إن خلو المجتمع من العوانس يعتبر كارثة
للأجندة النسوية تحدثنا عنها بإسهاب فى مقال سابق.
بل
إن بعض الرائدات فى المجال النسوى مثل إرِكا جٌنج أطلقن على الزواج اسم
"عبودية المنزل" وأردن ليس فقط تعسيره بل إلغاءه بالمرة، وأخريات مثل سيمون
دى بفوار كُن شاذات جنسيا، أما إلزبث ورتزل فلا ترى فارقاً بين المرأة
التى ينفق عليها زوجها والعاهرة. ولعل هذا المنطق -إن جازت التسمية- يفسر
سبب إصرار النسويين عندنا على ضرورة تسامح الشرطة مع اللائى يُقبض عليهن
متلبسات فى قضايا آداب إن كُنّ تحت 18 باعتبارهن ضحايا، وقد يُستخدم مصطلح
"ضحايا الاتجار بالبشر" لزوم إلهاب عاطفة القارئ ولزوم التمويل الأجنبى
(وإن بدا لك مصطلحاً ثقيلاً على أذنك فهذا لأنه مترجم هو الآخر).. فمِن
وجهة نظر نسوية بحتة تُمثل تلك الفتيات نموذجاً ناجحاً للـ"أنثى المستقلة"،
بينما لو تزوجت إحداهن فستكون "أنثى خاضعة لسيطرة زوجها" بحكم صغر سنها
واعتمادها عليه للإنفاق عليها. وأبشع كابوس لدى النسويين هو اعتماد المرأة
على زوجها مالياً أو عاطفياً حتى لو أرادت هى ذلك وكانت سعيدة به، ولذا فإن
استطعن تجريم زواج مَن هن دون الـ21 أو حتى سن أعلى باستخدام أى مبرر طبى
أو نفسى أو إنسانى لفعَلن.
وكان
الإعلام الحكومى فى عهد المخلوع يحشد الجهود بدوره للترويج لحالات سوء
معاملة استثنائية لزوجات تحت 18 توضح المآسى التى تنتظر من تتزوج قبل بلوغ
هذا السن السحرى، وكأنه لا توجد حالات سوء معاملة أفظع منها تصل للقتل فى
زيجات "الراشدات"، فلو كان وجود تجاوزات مبرِراً للمنع لوجب منع الزواج فى
أى سن. أو كان يتبجح ذات الإعلام من وقت لآخر بانتهاء نسبة كبيرة من زواج
"القاصرات" بالطلاق مع السهو المحمود عن نسبة طلاق الشابات "غير القاصرات"
والتى وصلت حالياً إلى 53% فى مصر [20]،
فلو كان معدل الطلاق المرتفع مبرِراً للمنع لوجب أيضاً حظر الزواج تماماً
على كل من هى دون الـ30 أو حتى أكبر. فماذا تبقى من ذرائع النسويين للحظر؟
تبقت حجتهم المفضلة القائلة بأن تلك الزيجات لا تغدو عن كونها صفقة، فهن
يتكلمن وكأن معظم الزيجات إن لم يكن كلها لم تُبْن على أساس المنفعة
المتبادلة.. أتُراهُنَّ يعكفن سراً فى ليالى الشتاء الباردة على مشاهدة
الأفلام الشاعرية التى تتزوج فيها الفتاة الغنية من السائق أو الكهربائى
الوسيم رغم أنف أبيها الباشا فأنساهن ذلك الهراء واقع الحياة المادية
المبنى على الصفقات والاستغلال؟ فالرجال يستغلون النساء جنسياً والنساء
تستغل الرجال مادياً منذ بدء الخليقة فيكون استغلالاً باستغلال.
"زيجات
القاصرات" هى زيجات طبيعية تماماً إذاً، منها الناجح ومنها الفاشل وبها
الحلو وبها المر، ولا تتميز عن غيرها سوى بتركيز الإعلام العلمانى على
الجوانب السلبية منها وبكفاءة تضليلية مشهودة، ليس فقط لإحداث فرقعات رخيصة
تستثير عواطف السُذّج وتزيد نسب المبيعات والمشاهدات لكن أيضاً بسبب اتفاق
أهداف العلمانيين والنسويين فى هذا الشأن.
وصديقنا
الخواجة ليس بمنأى عن كل ذلك، فالغرب المتربص بالإسلام لصراعه التاريخى
معه ولمعاداته إسرائيل والوجود الأجنبى فى المنطقة يقف وراء التيارَين
النسوى والعلمانى ويمولهما بسخاء لتأمين مصالحه بضرب قلب المجتمع وهو
المرأة.. كما أن الغربيين الذين رأيت مستوى بناتهم ونسائهم الأخلاقى لا
يطيقون فكرة التعفف لدرجة أن مجرد منظر حجاب المسلمة على رأسها -فضلاً عن
ترفعها عن الزنى- يرفع من ضغط دمهم ويدفعهم للإشفاق عليها ساعين
لـ"تحريرها" من التقيّد الجنسى الذى يأتى الزواج به، ومَن أفضل لعملية
التحرير من التيار النسوى الفصيح والعلمانى المتمكن؟ أما لو كان الغربيون
يكترثون بحقوق الإنسان عندنا حقاً لكنا رأينا لهم أثراً فى القضايا
الحقيقية كالاعتقال والتعذيب والتزوير التى كانت ولم تزل تمارسها الأنظمة
القمعية التابعة لهم فى بلادنا، لكنهم لا يتباكون إلا على المرأة وحقوق
المرأة وقهر المرأة وزِى المرأة غاضين الطرف عن الجرائم الفعلية لحلفائهم
فظهرت نواياهم لكل ذى عينين.
وحتى
لا يتهمنا أحد بالتجنى أو المبالغة فنَذكر أن الفقرة 115 من وثيقة الأمم
المتحدة المسماة "إزالة جميع أشكال التمييز ضد الطفلة الأنثى" تقضى "بحق
الطفلة في تحديد متى تصبح ناشطة جنسيًا"، فيما تصف الوثيقة عذرية المرأة
بأنها نوع من الكبت الجنسى وتعدها أحد أشكال التمييز ضد الأنثى. كما تكْفل
في الفقرة 96 حق الفتيات السحاقيات (الشاذات) في ممارسة السحاق [21]،
ونضيف للقارئ الكريم الذى نعتذر له عن هذا الابتذال أن الحكومة المصرية قد
وقَّعت على تلك الوثيقة فى عهد النظام البائد. وحين تسأل عن سبب تجريمهم
للزواج وإباحتهم للزنا، أو عن سبب ادعائهم بأن للزواج المبكر أضراراً صحية
ونفسية بينما لم يعترضوا أبداً على الزنا المبكر والذى يُفترض أن له نفس
الأضرار على الأقل، تجد الإجابات المتعلقة بحماية الطفولة وحماية القاصرات
من الاستغلال.
ولابد لنا أن نذكر هنا أن أمريكا ذاتها لم تكن من الموقعين على اتفاقية "سيداو" لحقوق المرأة [22] ولا اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل [23]، وأن جمعية أطباء الأطفال الأمريكيين رفعت الحظر عن ختان الإناث [24]،
بينما ما زالت تطالبنا بحظره الجمعيات النسائية الغربية، فهم كالعادة
يحرمون علينا ما يحلونه لأنفسهم. ألم أقل لك أننا نأكل الأونطة؟
قانون
رفع سن الزواج هو مسمار آخَر فى نعش مؤسسة الأسرة إذاً، هدفه تقليل النساء
القابلات للزواج الرسمى وإطالة مدة العزوبية بعد البلوغ لمن كانت ستتزوج
مبكراً، ويدقه تحالف عالمى يسير وفق خطة متكاملة ومدروسة ولم يأت عبثياً أو
نتيجة ضغوط داخلية أو دراسات علمية كما يشاع.
لكن
ماذا عن الجانب التطبيقى له؟ نجد لحسن الحظ أن هذا التشريع المشبوه لا يقف
عملياً فى وجه الأسر الراغبة فى تحصين بناتها مبكراً، فهى تحتال عليه
بتعديل شهادة الميلاد بعد التفاهم مع موظف السجل أو الاتفاق مع طبيب يسنن
الفتاة أو حتى عَقد الزواج شرعياً مع تفادِى توثيقه رسمياً لتجنب المشاكل..
لكن من أضرار عدم التسجيل تعريض حقوق الزوجة والأبناء للضياع ناهيك عن
زيادة الضغط على المحاكم التى ستنفجر من كثرة المظالم الحقيقية وتعطيلها
أكثر وأكثر. كما يَفتح هذا القانون المشوَّه باب البلاغات الكيدية بتهمة
"تزويج قاصر" أمام كل مَن بينه وبين العريس أو أهل العروسة خلاف مستغلاً
وجود ذوى نفوذ حمقى يعتبرون الزواج جريمة يطارَد مرتكبها ليُسجن كما حدث
فعلاً.
لكن
أبشع شيء فى كل ذلك هو أمثال حادثة وقعت فى عهد المخلوع، وهى مصادرة
الشرطة لفتاة مِن أهلها وإيداعها فى ملجأ -عفواً نقصد إيداعها "دور رعاية"-
بعدما اكتشفت النية لتزويجها. ويبدو أن الأهل لم يتم إعلامهم بمكان ابنتهم
أبداً بعد ذلك كما يحدث فى الغرب للأسر التى لا تَرضى الحكومة عن طريقة
تربيتهم لأبنائهم.. أى خطف قانونى. أضف إلى ذلك سجن الأب بتهمة "تيسير
الاستغلال الجنسى لطفلة قاصر" (وهى تسمية عبقرية تمنع المواطن العادى من
التعاطف مع الأب لجهله بأن تلك "الطفلة القاصر" امرأة مكتملة النمو وربما
كانت أطوَل من والدتها) لنجد أننا بصدد تحطيم وتشريد أسرة متواضعة الحال
بأكملها انتقاماً منها على محاولة تزويج ابنتها، وهو إجراء لا يؤرِّق ضمائر
مافيا الهوانم ذوات القلوب المتحجرة، فهن يرون أن الرجال يستحقون ذلك
لأنهم يبيعون بناتهم. ولا ندرى منذ متى صار الزواج بيعاً وصارت الرذيلة
تنازلاً؟ ومنذ متى صار بإمكانهن شق الصدور والاطّلاع على النوايا وقراءة
الضمائر؟ ولو كان الأب قد يَسَّر لـ"طفلته القاصر" تلك مضاجعة زميلها فى
الدراسة لمْا اعترضت عليه قوانينهن الإجرامية لأن حكومتنا المحترمة أباحت
ذلك طبقاً لتوصيات الأمم المتحدة، وبما يخالف الدستور الناص على "حرص
الدولة والمجتمع على الالتزام بالطابع الأصيل للأسرة المصرية وعلى تماسكها
واستقرارها وترسيخ قيمها الأخلاقية وحمايتها".
والآن
بعدما تحدثنا عن حُكم الشرع والدستور، وعن نفاق الغرب القائل ما لا يفعل،
وعن عوَر القانون وتجاهله للظروف والواقع، وعن الأهداف من وراء هذا التشريع
وتداعيات تطبيقه، تعال معى نستعير المنطق الليبرالى العلمانى من أصحابه
دقيقة لنخاطبهم به.. إذا كانت العروسة راضية وأبوها راضيا والعريس بل وأم
العريس راضيين، فمن أين يستمد المشرع سلطته فى تقرير مَن مِن حقه الزواج
بمن؟ ألا يُعد ذلك تدخلاً فى شئون الناس وحرياتهم؟ ألا يُعد فرْضاً للوصاية
على أخص خصوصياتهم؟ أم تُرى أن حياتهم الشخصية أصبحت هى الأخرى من ممتلكات
الدولة ومنظمات الدعارة العالمية تقرران فيها بما تريانه يصح ولا يصح؟
وماذا يفعل الليبرالى إن أرادت ابنته الزواج بدلاً من الزنى قبل بلوغها
السن القانونية السحرية 18؟ إن حججهم الواهية تفوح منها رائحة مقاصدهم
الحقيقية.. فعجباً ممن يسمى المرأة البالغة طفلة ثم يحجر على أبسط حقوقها
بدعوى الحفاظ عليها.
فى
النهاية نوجه دعوة عاجلة لمجالسنا التشريعية لإعادة النظر فى هذا القانون
المشوّه، فهو كالمسخ الذى لا التزم بالتقاليد العريقة فحافظ على الدين..
ولا واكب الغرب الحديث ففاز بالدنيا
0 التعليقات:
إرسال تعليق